
بعد أن اعتبر رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو أن لبنان أصبح مركزا أساسيا في حساباته الحربية وسّع من دائرة العمليات العسكرية باتجاه الداخل اللبناني والعاصمة بيروت بحيث لم يعد هناك منطقة آمنة في لبنان إلا في حيز ضيق من بيروت تتجمّع فيه البعثات الديبلوماسية الغربية التي أبقت على عدد ضئيل من الديبلوماسيين. وأما في الجانب السياسي فقد رفعت الحكومة الاسرائيلية من ضغوطها على الدولة اللبنانية وتعبيرا عن ذلك تستهدف الجسور وتهدد بضرب البنية التحتية وشبكات الكهرباء والماء ولا تخفي مطامعها باجتزاء قسم كبير من الجنوب اللبناني وتهجير سكانه كما تراهن على توسيع الهوّة بين السلطة اللبنانية والمقاومة وعلى توظيف موضوع النازحين في إثارة المخاوف مع المكوّنات.
وحتى الآن كل المساعي الدولية حول لبنان تبدو متعثرة بما فيها مساعي الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش الذي يحاول حجز مكان لمجلس الأمن عبر البوابة اللبنانية في المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران والتي توسّعت دائرة الوسطاء للوصول إليها من بريطانيا إلى فرنسا وألمانيا مرورا بمصر وتركيا وروسيا ودول الخليج وكل من حساباته الخاصة. لكن هناك إجماع أن من يعيق مسار الوساطات هو اسرائيل ودائرة ضيّقة من بعض مستشاري الرئيس ترامب وأيضا خشية ايران معاودة الحرب الأميركية عليها بعد فترة إذا لم تحصل على ضمانات دولية وأميركية مطمئنة ونهائية.
يعتبر رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو أن اقتطاع قسم كبير من الجنوب اللبناني هو “جائزة ترضية” لاسرائيل لوقف الحرب على لبنان. وهذا ما لا تراه المقاومة ممكنا ولا الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. كما أن هذا الأمر يشكّل خطا أحمر في حسابات الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون الذي أبدى استعدادا لمفاوضات مباشرة مع اسرائيل تنتهي بهدنة على قاعدة حصرية السلاح بيد الدولة. إنما مبادرة الرئيس عون هذه لا تلقى تجاوبا اسرائيليا لأسباب ترتبط بمطامع اليمين اليهودي الاسرائيلي وحكومته في توسيع الجغرافيا الاسرائيلية استنادا لاعتبارات توراتية تعتبر جبل عامل امتدادا للجليل الأعلى.
والواضح أن نسف الجسور في الجنوب اللبناني وتدميرها لا يستهدف عمليا المقاومة وحدها وإنما الجيش أيضا وطرق الإمداد. وهذه ناحية تفترض حوارا بين السلطة السياسية والمقاومة لا تبادل تحميل مسؤوليات لما نحن فيه ولا تبادل للإتهامات يستتبع توترا وما هو أبعد. فلبنان محكوم بوضع اقليمي متفجر بالكامل ما يقتضي البحث عن القواسم المشتركة بين السلطة والمقاومة في الحدود الدنيا على الأقل وفي تدارك الأخطار المشتركة وفي مقاربة موضوعية لموضوع النازحين الذي قد يطول نسبيا في الزمن وبتداعياته. وأيضا محاولة تلافي استخدام اسرائيل للحدود السورية مع البقاع الشمالي عبر الضغوط الاسرائيلية التي تمارس على الرئيس السوري أحمد الشرع.
ففي المعلومات أنه انتشرت جماعات متطرفة ومسلحة من حلب وحماه على حدود الهرمل والقاع تحت عنوان “الثأر من حزب الله”. وهؤلاء ليس ولاؤهم للرئيس الشرع. من هنا أهمية التواصل مع الرئيس السوري من جانب الرئيس عون وأيضا فتح قنوات على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يملك وزنا مؤثرا في القرار السوري والذي يعترض على التمدد الاسرائيلي الجغرافي والسياسي في سوريا. كما يمكن توظيف علاقة موسكو الإيجابية مع الدولة السورية ومع الرئيس الشرع الذي التقى مؤخرا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
أما الهدف الاسرائيلي من توريط جهات مسلحة سورية وأجنبية عسكريا في البقاع فهو التهيئة لاختراقات اسرائيلية ولعمليات إنزال جويّة بعد أن تفاجأت القيادة العسكرية الاسرائيلية بما أسمته بإشارة للمقاومة “الأشباح التي تخرج من تحت الأرض” في مناطق الإشتباكات في الجنوب وعلى الخطوط الأمامية.
مع ذلك فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان هو الخلل في الوحدة الوطنية التي ضمانتها الأساسية المؤسسة العسكرية التي يقودها بحكمة فائقة قائد الجيش العماد رودولف هيكل المحيط بفهم واسع للظروف الصعبة والدقيقة ولاعتبار أن جوهر المشكلة سابقا وحاليا هو عدم تنفيذ اسرائيل القرار ١٧٠١ وإصرارها على سياسة الإعتداءات والتهجير وقضم الأراضي.
عبد الهادي محفوظ



