محفوظ: ملامسة الخطوط الحمر نافذة الوسطاء والتفاوض

حتى الحروب في مآسيها تفتح نافذة على النكات التي تتناول صنّاع الحرب. في واشنطن هناك نكتة يتم تداولها وموضوعها هو الرئيس دونالد ترامب نفسه. مضمون النكتة أن الرئيس أعطى شيكًا من دون رصيد لأحدهم الذي ذهب إلى البنك ليسحبه فوجد أن البنك مفلس.

نكتة رمزية في دلالاتها على الارتباك الذي وقع فيه الرئيس ترامب ومعه أقوى دولة في العالم بسبب التفرّد في القرار وعدم الأخذ بالتحفظات التي جاءت من تقديرات عسكرية واستخباراتية ومن عدم المعرفة للتركيبة المعقدة للنظام الديني في إيران وللبعد القومي الفارسي الذي لا يتسرّع ويتأنّى ويصبر ولا لمكانة الإمامة في الفكر الشيعي الذي يعتبر الموت انتصارًا في حال "الشهادة" لملاقاة الله المبكرة ودخول الجنة.

والمقاربة الإيرانية المستندة إلى موقع الإمامة هي: الموت نصر والصمود نصر وهزيمة الأعداء نصر. وفلسفة من هذا النوع لا يمكن مواجهتها بحسابات عسكرية كما ذهب إليه الرئيس ترامب عندما أسقط ظاهرة اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو على واقعة اغتيال المرجع الروحي السيد علي خامنئي فكانت النتائج معاكسة. فلا فنزويلا هي إيران ولا الذين يحيطون بالخامنئي يشبهون حاشية مادورو التي سارعت إلى التجاوب مع سيد البيت الأبيض وشروطه ووضع يده على سوق النفط الفنزويلي.

والخطأ الكبير الذي ارتكبه ترامب هو في إشراك إسرائيل في الحرب معه وهي التي خاضت حربًا على غزة هدفها الاستيلاء على الأرض وتهجير الفلسطينيين ومصادرة الضفة الغربية والتوسّع الجغرافي في سوريا ولبنان. وهذا الخطأ شكّل إحراجًا للدول العربية التي ربطت بين الاتفاقات الإبراهيمية وإقامة الدولة الفلسطينية وخصوصًا من جانب المملكة العربية السعودية. وفي هذا السياق تفترق الحسابات الأميركية عن الحسابات الإسرائيلية في تصوّر وتوقّع الدول العربية. فالحسابات الإسرائيلية لا تلحظ بتاتًا ميزان القوى الراهن إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية سيّما وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتكلم الآن عن أن "إسرائيل قوة عالمية عظمى" مستفيدًا من المشاركة بالحرب الأميركية على إيران التي ترتقب له "مفاجآت" غير سارة.

وأكثر ما يخشاه الرئيس ترامب حاليًا أن يستدرج التهوّر الإسرائيلي والأميركي في الحرب روسيا والصين إليها. فكان تنصّله من المشاركة في ضرب محطة بارس للغاز وإشارته إلى أنه أعاد تذكير نتنياهو بعدم التعرّض لمحطات النفط والغاز وهو تذكير في غير مكانه. فاختبار ردود الفعل الروسية والصينية أمر مطلوب أميركيًا أيضًا وذلك جاء بعد تحذير موسكو من أن أي تعرّض لمحطة بو شهر النووية أو لمقتل أي خبير روسي فيها يستتبع مشاركة المنظومة الجوية الروسية الموجودة في إيران للمشاركة في الحرب.

وعلى ما يبدو أنه قد يكون في الحسابات الإسرائيلية أن تمتحن التحذير الروسي لها. وهذا الامتحان ليست بعيدة واشنطن عنه. فالهجوم الجوي الإسرائيلي على ميناء بندر لنجة الإيراني في بحر قزوين قرأته ماريا زاخاروفا من وزارة الخارجية الروسية بأنه يصب الزيت على النار فالمصالح الاقتصادية لروسيا ودول بحر قزوين الأخرى تربطها علاقات نقل مع إيران عبر هذا الميناء. كما كانت هناك "قراءة" روسية أخرى لمستشار وزارة الخارجية رامي الشاعر ذهبت في نفس الاتجاه.

أما الاستنتاج الذي يمكن أن يبني عليه المراقب السياسي للتطورات هو أن ملامسة الخطوط الحمر قد يسرّع في فتح قنوات التفاوض وتعدد الوسطاء سيّما بعد الإشارات الأميركية للرئيس ترامب عن "إنجاز أغلبية الأهداف الأميركية" في سعي منه لإعلان "أنا المنتصر" بعد تحقيق إنجاز ما متردد فيه وهو "اختراق برّي محدود" لا يغيّر في معادلات الحرب وإنما في تسريع المخارج لها. واستطرادًا فإن استهداف محطة نطنز النووية هو رسالة من ترامب عن ملامسة الخطوط الحمر ودعوة لطهران وصولًا لمنطقة وسط وبمشاركة دولية. وإلى الآن الجواب الإيراني هو أيضًا في ملامسة خطوط حمر أميركية وإسرائيلية وفي الالتزام بسقف ما وصلت إليه مفاوضات فيينا من ترسيم لحدود ما تقبل به طهران وما ترفضه في ضوء التزام دولي وأميركي وروسي وصيني وإسلامي بعدم تكرار الحرب الأميركية عليها.

عبدالهادي محفوظ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى