
لا يُقاس الصراع بين إيران وأمريكا اليوم بمعايير النصر العسكري التقليدي، بل بقدرة أحد الطرفين على تحويل الضغط إلى فرصة لإعادة صياغة الواقع الإقليمي.
لم تعد الهزيمة تكمن في الانهيار، ولا النصر في الإسقاط؛ بل في جعل الخصم يعيد النظر في أساسيات قوته.
هكذا، برزت إيران ليست كضحية للعقوبات والضربات، بل كمهندس لمعادلة تجعل أي "حل عسكري" أمريكي مكلفًا وغير مستدام.
فشل النموذج الهيمني الأمريكي
حيث سعت واشنطن إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وشل القدرات الصاروخية، وتجفيف مصادر تمويل "محور المقاومة". لكن إيران لم تنهار؛ بل طورت قدراتها تحت الضغط، وفرضت واقعًا يجعل أي تصعيد يهدد الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز.
هذا يشبه ما حدث في العراق وأفغانستان: لم تسقط الولايات المتحدة ميدانيًا دائمًا، لكنها خسرت الإرادة الشعبية والاقتصادية للإستمرار، مما حوّل "النصر المؤقت" إلى هزيمة استراتيجية طويلة الأمد.
اختارت إيران نموذج القوة الاستنزافية بدلاً من المواجهة المباشرة، حيث اعتمدت طهران على استراتيجية "الصمود الديناميكي"، ضربات دقيقة تُظهر القدرة دون إغراء الحرب الشاملة، وتفاوض من موقع يجعل السلام خيارًا أفضل للخصم.
في "هدنات تحت التهديد" الحالية، تظهر إيران كصانعة للتوازن، لا كمستبعدة منه.
هذا يجعل النصر الأمريكي مستحيلاً دون تغيير جذري في الإقتصاد العالمي أو الإرادة السياسية الداخلية.
ومع تكرار التراجعات الأمريكية – من فيتنام إلى أفغانستان – بدأ الحلفاء في الخليج وأوروبا يشككون في الموثوقية الأمريكية.
إيران تملأ الفراغ ليست بهيمنة، بل بقدرة على التعطيل: أي ترتيب أمني يتجاهلها يصبح هشًا.
هكذا، أصبحت طهران لاعبًا أساسيًا في أي صفقة مستقبلية.
يذكّرنا هذا المشهد بفلسفة فريدريك نيتشه في "هكذا تكلم زرادشت"، حيث يُعرّف "الإرادة إلى القوة" ليست كتدمير الآخر، بل كقدرة على تجاوز الضعف والتحوّل تحت الضغط.
اليوم، تجسّد إيران ذلك: العقوبات لا تُضعفها، بل تُعزّز إرادتها، محوّلة كل هجوم إلى دليل على حاجة العالم لتفاوضها. كما يقول نيتشه: "ما لا يُقتلني يُقوّيني".
كما لا ينبغي أن نتجاهل نظرية ابن خلدون في "المقدمة" حول "العصبية" – تلك الروابط الإجتماعية والثقافية التي تُولّد قوة الدول البدوية أو الثورية لتحدي الإمبراطوريات المتحضّرة المنهارة داخليًا.
إيران تجسّد "عصبية المقاومة"، تحت الضغط الخارجي، يتعزّز تماسكها الداخلي وشبكاتها الإقليمية، محوّلة كل عقوبة إلى وقود للصمود.
وكما يصف ابن خلدون، تنهار الهيمنة ليست بالقوة الميدانية، بل بفقدان "العصبية" الداخلية، بينما يرتفع المهمشون عبر الصبر والتكاتف – تمامًا كما تفعل طهران اليوم.
في النهاية، السؤال ليس "من هزم مَن؟"، بل "من أعاد تعريف القوة؟" إيران لم تُسقِط أمريكا، لكنها جعلت هيمنتها الإقليمية مُعتمدة على الإعتراف بدور طهران – نصر يولد من الاستمرار، لا من الإبادة.
محمد الجوهري.



