الفوعاني لمناسبة الذكرى السنوية السادسة والأربعين لاستشهاد الإمام محمد باقر الصدر

الصدران جسّدا رؤية فكرية وإنسانية متقدمة

 أكد رئيس الهيئة التنفيذية لحركة أمل، مصطفى الفوعاني، خلال كلمة ألقاها في الذكرى السنوية السادسة والأربعين لاستشهاد محمد باقر الصدر،عبر تطبيق zoom أن هذه المناسبة لا تُختزل في استحضار سيرة رجلٍ استثنائي، بل تمثل محطة لاستعادة عمقٍ فكري ومنهجي متكامل، أسّس لمدرسةٍ في التفكير تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتربط بين الإيمان والوعي، وبين المعرفة والمسؤولية، وبين الإنسان ودوره في صناعة التاريخ.

وأشار إلى أن الشهيد الصدر قدّم مشروعًا فكريًا عميقًا تجاوز حدود التنظير التقليدي، حيث عمل على بناء رؤية معرفية متماسكة تعيد تنظيم العلاقة بين الدين والحياة، وتؤسس لفهمٍ شاملٍ للعدالة والإنسان والمجتمع، معتبرًا أن فكره لم يكن مجرد معالجة لقضايا جزئية، بل مقاربة بنيوية تهدف إلى إعادة صياغة الوعي الإنساني على أسس عقلانية وأخلاقية متكاملة.

وأضاف أن من أبرز سمات هذا الفكر أنه جعل من الإنسان محورًا أساسيًا، ومن الوعي شرطًا لأي تغيير حقيقي، ومن القيم الأخلاقية إطارًا ناظمًا للحياة الاجتماعية والسياسية، وهو ما منحه طابعًا مستمرًا يتجاوز زمانه ومكانه، ليبقى حاضرًا في كل سياق يسعى إلى بناء مجتمعٍ عادلٍ وإنسانٍ حر.

وفي المقابل، شدّد الفوعاني على أن الإمام موسى الصدر جسّد بدوره رؤية فكرية وإنسانية متقدمة، تنطلق من المبادئ نفسها التي تضع الإنسان في مركز الاهتمام، وتعتبر العدالة أساسًا لبناء الدولة، والوحدة الوطنية شرطًا لبقاء المجتمع واستقراره، حيث عمل الإمام على تحويل هذه القيم إلى مشروعٍ عمليّ متكامل في الواقع اللبناني.

وأوضح أن أوجه الشبه بين الشهيد محمد باقر الصدر والإمام موسى الصدر لا تكمن في التأثير أو التبعية الفكرية، بل في العمق المشترك للرؤية الإنسانية، وفي وحدة المنطلقات التي تركز على كرامة الإنسان، وعلى ضرورة تحريره من كل أشكال الظلم والتهميش، وعلى بناء وعيٍ قادر على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية والسياسية.

وأشار إلى أن كلا المشروعين يجتمعان في التأكيد على أن التغيير الحقيقي يبدأ من الإنسان، ومن إعادة بناء وعيه، وأن العدالة ليست مجرد شعار، بل هي منظومة قيمية وسلوكية يجب أن تنعكس في بنية المجتمع والدولة، وهو ما يمنح هذا التقاطع الفكري بعدًا حضاريًا يتجاوز الإطار الزمني ليشكّل رؤية متكاملة للإنسان والمجتمع.

وأضاف أن هذا التقاطع في الرؤية يعبّر عن وحدة في المنهج القائم على الربط بين الفكر والعمل، وبين النظرية والتطبيق، حيث لا يبقى الفكر مجرد إطار نظري، بل يتحول إلى ممارسة عملية، ولا يتحول العمل إلى حركة عشوائية، بل يستند إلى بوصلة فكرية واضحة تحدد الاتجاه وتضبط المسار.

وأكد الفوعاني أن البعد الأيديولوجي في حركة أمل يستند إلى هذه الرؤية الإنسانية المتقدمة التي أرساها الإمام موسى الصدر، والتي تلتقي في جوهرها مع العمق الفكري الذي عبّر عنه الشهيد محمد باقر الصدر، من حيث التركيز على الإنسان، وعلى العدالة، وعلى بناء مجتمع متماسك يقوم على الشراكة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية.

وأشار إلى أن حركة أمل لم تُبنَ كتنظيم سياسي تقليدي، بل كحالة إنسانية ووطنية تعبّر عن تطلعات الناس، وتحمل همومهم، وتسعى إلى تحويل هذه التطلعات إلى واقعٍ ملموس، مستندة إلى رؤية فكرية واضحة تعتبر أن الإنسان هو الغاية، وأن الوطن لا يستقيم إلا بتكافؤ الفرص وتوازن الحقوق والواجبات.

ولفت إلى أن ما يشهده لبنان اليوم من اعتداءات إسرائيلية متواصلة يستهدف الإنسان والأرض والبنية الوطنية، ويشكّل محاولة لكسر إرادة الصمود لدى الشعب اللبناني، إلا أن هذا الشعب، بما يمتلكه من وعيٍ وإرادة، يثبت في كل مرة قدرته على التمسك بحقه في الحياة والكرامة.

ولم تقتصر هذه الاعتداءات على كونها خروقات عسكرية متفرقة، بل ارتبطت بسجلٍّ طويل من المجازر التي ارتكبها العدو على مرأى ومسمع المجتمع الدولي، متجاوزًا كل القوانين والأعراف الإنسانية، حيث سقط نتيجة هذه الاعتداءات أكثر من ثلاثمئة شهيد، وأصيب ما يزيد عن ألف جريح، في مشهدٍ يعكس حجم الاستهداف المباشر للمدنيين والبنية الاجتماعية، ويؤكد أن ما يجري ليس مجرد تصعيد عسكري، بل سياسة ممنهجة تقوم على القتل والتدمير وفرض الوقائع بالقوة، في ظل صمتٍ دوليٍّ يفاقم من معاناة الشعوب ويعطّل مسارات العدالة والمساءلة.

وأشار إلى أن توصيف دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري لهذه الاعتداءات بأنها جرائم حرب، يعكس حجم الانتهاكات القائمة، ويؤكد ضرورة تحمّل المجتمع الدولي لمسؤولياته القانونية والأخلاقية في مواجهة هذه الجرائم وحماية المدنيين.

وشدد الفوعاني على أن استحضار فكر الشهيد محمد باقر الصدر في هذه المرحلة، إلى جانب استلهام رؤية الإمام موسى الصدر، يشكّل مصدر قوة فكرية ومعنوية، لأنه يعزز الوعي، ويعمّق الإيمان بالقدرة على الصمود، ويؤكد أن مواجهة التحديات تبدأ من الداخل، من وعي الإنسان بذاته وبحقوقه وبمسؤوليته تجاه مجتمعه.

وأكد أن الوحدة الوطنية، كما أرساها الإمام موسى الصدر، تبقى الركيزة الأساسية لأي استقرار، وأن تجاوز الانقسامات هو شرط ضروري لحماية لبنان من الأخطار، مشيرًا إلى أن التماسك الداخلي يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة كل محاولات الاستهداف.

وختم الفوعاني بالتأكيد أن حركة أمل، بقيادة الرئيس نبيه بري، ستبقى ملتزمة بهذا النهج القائم على الدفاع عن الإنسان والعدالة والوحدة، وعلى ترجمة هذا الالتزام في الميدان العملي، معتبرًا أن هذا المسار هو خيار ثابت لا يتبدل، لأنه نابع من رؤية فكرية وإنسانية عميقة، تضع الإنسان في قلب المشروع، وتعتبر صون كرامته الهدف الأسمى لكل عمل سياسي أو اجتماعي.

وقال: “إن الوفاء لهذا النهج هو وفاءٌ للإنسان أولًا، وللوطن ثانيًا، وللقيم التي تجعل من العدالة أساسًا، ومن الكرامة حقًا، ومن الوحدة ضمانةً لبقاء الأوطان واستمرارها”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى