محفوظ: فانس “الرئيس” والحرس “القوة الإقليمية” ونتنياهو “المحرج”

خلافا للمفاوضات السابقة في مسقط وفيينا بين واشنطن وطهران يأتي وفد أميركي كبير ومتنوّع برئاسة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس. إذ سابقا كان الوفد الأميركي يقتصر على جيمس ويتكوف وجاريد كوشنر مزوّدين بأفكار مسبقة ولا يسجلان أي ملاحظات ويعودان إلى واشنطن ليقولا الكلام الذي يرضي الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

هذه المرة اتّسمت المفاوضات في إسلام أباد بجدية من الطرفين الأميركي والإيراني: فكل مراكز القرار في واشنطن وطهران ممثلة وحاضرة. كما أن رئيسي الوفدين الأميركي والإيراني دي فانس وقاليباف يحظيان بتفويض واسع إضافة إلى توصيف جديد.. الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قبل فترة قد أشاد بقاليباف. كما أن القيادة الإيرانية اعتبرت مسبقا أن دي فانس جديرا بالثقة ولا يحبذ الحرب ومن الداعين إلى الخيار الديبلوماسي. وهذه نقطة إيجابية رغم التباينات  الأميركية-الإيرانية  حول كيفية مقاربة الاقتراحات المتبادلة للتفاوض والتي تنطوي على تعارضات تحتاج إلى "تفاهمات" في أكثر من يوم أو جلسة خصوصا في موضوع اليورانيوم المخصّب ولبنان والصواريخ الباليستية والنفوذ الإيراني في الإقليم ومضيق هرمز وفي سعي رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى وضع العصي أمام نتائج المفاوضات باستكمال الفصل بين المسارين الإسرائيلي-اللبناني ومسار إسلام أباد بمفاوضات إسرائيلية-لبنانية تحت النار وفي غياب جدية فعلية من بنيامين نتنياهو في التخلي عن "الحزام الأمني" في الجنوب اللبناني رغم الوعود الأميركية  باستجابة السلطة اللبنانية إلى تنفيذ شعار "حصرية السلاح" وتحويل العاصمة بيروت إلى مدينة منزوعة السلاح.

وفي المعلومات أن واشنطن في الفترة الأخيرة قد أجرت اتصالات مع دول الاتحاد الأوروبي من أجل أن تتهيأ لنشر قوات عسكرية أوروبية  متعددة الجنسيات بإشراف أميركي على الحدود الجنوبية والبقاعية يصل عديدها إلى ٣٠ ألف جندي ومن ثم تنتشر في بيروت.

هذا وكانت ألمانيا الدولة المركزية في أوروبا السباقة الى التجاوب مع الطلب الأميركي الذي ينتظر عمليا ما ستؤول إليه مفاوضات إسلام أباد والنوافذ الجديدة التي تفتحها على جولات جديدة لمعالجة "التفاهمات" وعلى مشاركة قوى عالمية وإقليمية فيها مباشرة أو من الكواليس. خصوصا وأن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تشعّبت باتجاهات نفطية واقتصادية وغازية وجغرافيّة وبوابات بحار وتركت تداعياتها حتى على حرب أوكرانيا وعلى حسابات الصين في تايوان وعلى التوتر بين كوريا الشمالية والجنوبية وحتى على الحسابات الأميركية على مجلس السلام العالمي في غزة.

مما لا شك فيه أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أحدثت شروخا عميقة في كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران على السواء.

فأعادت الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى عدم التفرّد بالقرار وأصبح أكثر التزاما لحسابات الدولة العميقة في أميركا ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية والكونغرس. وفي إسرائيل لا حجة لنظرية بنيامين نتنياهو من أنّ تل أبيب تحوّلت إلى "قوة عالمية عظمى" مهيمنة في المنطقة. فإسرائيل لولا مشاركة الولايات المتحدة الأميركية في الحرب لكانت في موقع المربك والمنقسم داخليا. وأما إيران فإن الحرب الأميركية عليها قد "شرعنت" الحرس الثوري الذي كانت واشنطن تعتبره "إرهابيا" وإذا بها تفاوضه حاليا… وهو الذي يبحث حاليا عن إعادة بناء الدولة وما تهدّم عبر توفير مصادر التمويل بالتحكم بعبور ناقلات النفط في مضيق هرمز مقابل رسوم مالية وأيضا عبر الإفراج عن الودائع الإيرانية ورفع العقوبات وتسويق النفط. وهذا يعني القبول الأميركي ضمنا "بالتماهي" بين الحرس الثوري والدولة الإيرانية وتحوّله إلى قوة إقليمية في نظام إقليمي جديد رغم "التصعيد" الحالي المقصود.

وأما خارج واشنطن وطهران وتل أبيب فالمرتقب تهميش أوروبا القديمة وتفكك الناتو لاحقا وبروز ألمانيا كلاعب معاون للولايات المتحدة.  فيما على دول الخليج أن تتكيّف مع التحولات وتوسيع "شبكة أمانها" باتجاه تركيا وباكستان وروسيا والصين. ذلك أن العالم يتجه نحو الخروج من الأحادية القطبية وإن كانت واشنطن تبقى الفاعل الرئيسي. فما هو "غير منظور" أن موسكو وبكين شاركتا في مفاوضات إسلام أباد من الكواليس وستشاركان بنفس الطريقة في الجولة القادمة.

*عبدالهادي محفوظ*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى