محفوظ: الإنقسام اللبناني وأدوار بنّاءة من ثلاثة

الإنقسام اللبناني وأدوار بنّاءة من ثلاثة: مسألة تثير القلق وهي ظاهرة الإنقسام اللبناني باتجاهات متفلّتة من أي ضوابط أو حدود. فالخطاب الطائفي حاد يهدد ’’الهوية اللبنانية‘‘ المهزوزة في الأساس ما يعطي حضورا وتشابكا للخارج الدولي والاقليمي في لبنان وخصوصا الأميركي والاسرائيلي والايراني والسعودي والمصري والفرنسي ومن بعيد الروسي. أما الضعيف في المعادلة فهو المجتمع السياسي اللبناني الممثل بـ’’السلطة السياسية‘‘ والمجتمع الأهلي المتوتر بعلاقاته ومقارباته سواء لمفاوضات اسلام أباد بين واشنطن وموسكو أو لمسار المفاوضات برعاية أميركية بين السلطة الرسمية اللبنانية واسرائيل.

الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون محرج. فهو يذهب إلى خيار التفاوض من حسابات أن لا خيار آخر للبنان. وهو يضع حدودا للتفاوض ترتبط بوقف النار والإنسحاب الاسرائيلي ووقف الهدم وعودة المهجرين إلى قراهم وتحرير الأسرى. وهو يراهن على ’’الضغوط الأميركية‘‘ على اسرائيل وعلى منح الولايات المتحدة ’’أفضلية‘‘ في الشراكات الاقتصادية والمالية وفي استثمارالنفط والغاز على تقدير منه بأن الرئيس ترامب يريد ’’تحييد‘‘ الفاعلين الاقليميين اسرائيل وايران ما يعطي هامشا واسعا في استعادة السيادة وبقاء لبنان دولة بمساحته وحدوده الجغرافية. ومن هنا يبحث الرئيس عون عن ’’تطمينات أميركية‘‘ تسبق زيارته لواشنطن من السفير الأميركي ميشال عيسى. وفي مقدمة هذه التطمينات ’’وقف نار‘‘ حقيقي من جانب اسرائيل وهدنة مفتوحة ومضمونة أميركيا.

وينبغي أن نعترف أن خيار الرئيس جوزاف عون لا يلقى إجماعا لبنانيا. ونقطة الضعف الأساسية فيه هي الطائفة الشيعية التي تعتبر نفسها مستهدفة بالحسابات الاسرائيلية القريبة والبعيدة. لكن غياب الإجماع اللبناني لا يعني إطلاقا ان خيار الرئيس لا تتعاطف معه مكوّنات لبنانية تشجع عليه وتدعمه وإن كان البعض منها يشارك حزب الله في اعتراضه على المفاوضات المباشرة التي تحكمها مبدئيا موازين القوى وليس فقط ’’تطمينات أميركية‘‘ تعمل اسرائيل على تعطيلها في الخط الأصفر والخط الأزرق بحرق البيوت وهدم البنى التحتية وبالتهجير القسري وبقصف لقرى بقاعية واستهداف بالإغتيال لمقاتلين وصحافيين ومسعفين وتابعين للدفاع المدني.

إلى الآن يقف الرئيس العماد جوزاف عون على ’’مسافة‘‘ من المفاوضات المباشرة.

وهو ’’متحفظ‘‘ حتى مع الوسيط الأميركي وحذر من الحسابات الاسرائيلية. وهذه نقطة ينبغي البناء عليها. فالإنقسام اللبناني الحاد ليس في صالح الرئيس عون ولا في صالح حزب الله والمعترضين. وبهذا المعنى الأولوية هي لتحصين الوضع الداخلي وإلغاء ’’سياسات التخوين‘‘ ووقف تحميل المسؤوليات لما نحن فيه من كل طرف للآخر. والسؤال هل هذا ممكن؟

من مراجعة التاريخ اللبناني في مداه القريب والمتوسط كان المتحكم بهذا التاريخ الحروب الأهلية التي تنتهي بـ’’تسويات‘‘ عنوانها ’’لا غالب ولا مغلوب‘‘ في المعطى الداخلي وإنما توازنات جديدة للمعطى الخارجي تغطي ’’أوزانا‘‘ مختلفة للمكوّنات. وشئنا أو أبينا لا يرتاح لبنان قبل أن تصل المفاوضات الأميركية – الاسرائيلية – الايرانية إلى حل. فلقد تحوّلت الحرب الأميركية – الاسرائيلية – الايرانية إلى ’’حرب اقليمية‘‘ ببعد اقتصادي ونفطي ومالي عالمي يصيب كل مواطن على الكرة الأرضية بالغلاء والغذاء والتضخم المالي. وهذه الكلفة الاقتصادية هي إلى مزيد من التوسع وآثارها مدمّرة تحديدا في لبنان وقد تفتح الباب على ’’فوضى اجتماعية‘‘ المتضرر فيها على السواء المجتمع السياسي والمجتمع الأهلي. وتحاشي ذلك غير ممكن من دون إعادة قنوات الحوار داخل السلطة السياسية نفسها وبينها وبين حزب الله. إذ من دروس التاريخ اللبناني أنه في الأزمات الحادة لا ينبغي أن يذهب زعماء المكوّنات إلى ’’المخارج القسرية‘‘ وإنما إلى الحوار وتغليب القواسم المشتركة.

وفي مجال تغليب لغة الحوار الدور هنا منوط بثلاثة: دولة الرئيس نبيه بري الفاعل في المكوّنات والفاعل الرئيسي في الطائفة الشيعية وعنصر الوصل بين قصر بعبدا والضاحية الجنوبية والزعيم الدرزي وليد جنبلاط قارئ التاريخ والتحوّلات وقائد الجيش العماد رودولف هيكل المتأثر بتجربة الشهابية السياسية للرئيس الجنرال فؤاد شهاب الذي حاول بناء دولة من خارج الحسابات الطوائفية والذي أعطى للمؤسسة العسكرية دورا أساسيا في صيانة الوحدة اللبنانية. ومن حسن الحظ أن الدفع بالإنقسام نحو الكانتونات لا تكفي فيها حسابات اسرائيل. فهو يحتاج إلى الغرب الأميركي والأوروبي والفاتيكان. وكل هؤلاء للبنان موحّد يحتاج إلى إصلاحات بنيويّة.

هؤلاء الثلاثة أدوارهم مفصلية وجامعة. وأما المشاغب إزاء هذه الأدوار فهو إعلام الإنقسام والتحريض وبث الكراهية. ما يلزم بتطبيق القانون في حال المخالفات الصارخة. وهذه إمكانية تمتلكها الحكومة والقضاء.

*عبد الهادي محفوظ*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى