
✍️محمد الجوهري.
ليس ما يجري في الخليج الفارسي مجرد توترٍ أمني عابر، بل هو مشهدٌ يكشف كيف تتحول الجغرافيا إلى فلسفة قوة، وكيف يصبح الممر البحري مرآةً لصراع أوسع حول السيادة والشرعية والذاكرة. فحين ترتفع حدة التهديدات وتتداخل الرسائل العسكرية مع الحسابات الإقتصادية، لا يعود البحر مجرد ماءٍ ومضيقٍ وسفن، بل يصبح لغةً سياسية تقول فيها الدول ما لا تستطيع قوله في البيانات الرسمية.
ومن هذه الزاوية، تنظر إيران إلى التطورات الأخيرة بوصفها حلقة جديدة في محاولة قديمة لإعادة صياغة موقعها في الإقليم، لا باعتبارها طرفاً طارئاً على الأزمة، بل باعتبارها محوراً لا يمكن تجاوزه.
ففي السردية الإيرانية، لا يُفهم الخليج بوصفه “ساحة مفتوحة” للقوى الخارجية، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لفكرة السيادة.
وهنا يحضر مثال فلسفي قديم: فكما كان سبينوزا يرى أن الدولة لا تملك معناها الحقيقي إلا بقدر ما تصون قدرتها على البقاء، ترى طهران أن حضورها في الخليج ليس نزوة توسعية، بل تعبير عن حق الوجود السياسي. لذلك فإن أي انتشار أجنبي إضافي، أو أي خطاب عن “حماية الملاحة”، يُقرأ في طهران لا كإجراء تقني، بل كترجمة عملية لفلسفة الهيمنة؛ أي أن القوة تريد أن تقدم نفسها في لباس النظام.
وهذا يفسر لماذا تبدو إيران حريصة على ربط أمن الخليج بمعادلة الردع لا بمعادلة الوصاية.
فبحسب منطقها، لا يمكن أن يكون الأمن مستورداً من الخارج، لأن الأمن إذا جاء على ظهر بارجةٍ أجنبية فإنه يحمل في داخله بذرة التبعية.
هنا تذكّرنا الفكرة بطرح هوبز عن الخوف بوصفه أساس النظام، لكن مع فارق مهم: إيران لا تريد أن يكون الخوف قاعدة النظام الإقليمي، بل تريد أن تحوّل الخوف نفسه إلى توازن يردع الخصوم عن فرض إرادتهم.
إنها معادلة لا تخلو من المفارقة؛ فالدولة التي تشكو من الضغط تستخدم لغة القوة كي تمنع الحرب، تماماً كما يرفع المرء صوته كي لا يضطر إلى القتال.
أما من جهة التاريخ، فإن الجدل حول اسم الخليج الفارسي ليس تفصيلاً لغوياً كما قد يبدو، بل هو معركة على الذاكرة.
فالفلسفة السياسية تعلمنا أن الأسماء ليست بريئة؛ إنها تحدد موقع الأشياء في العالم، كما أن من يملك تعريف البحر يملك جزءاً من سرديته.
ولهذا تتمسك إيران بالاسم باعتباره علامة على الاستمرارية التاريخية، لا مجرد عنوان جغرافي.
وكأنها تقول: إن محو الإسم ليس محواً للحرف فقط، بل محاولة لمحو المعنى الذي يجعل المكان جزءاً من هوية أوسع.
ومع ذلك، فإن القراءة الإيرانية لا تقوم فقط على الدفاع عن الذاكرة أو السيادة، بل على نقد النظام الدولي الذي يجعل الخليج ساحة دائمة للإختبار.
فحين تتأثر الأسواق، وترتفع كلفة التأمين، وتتوتر خطوط الشحن، تظهر الحقيقة العارية: أن الإقتصاد ليس بعيداً عن السياسة، بل هو وجهها الأكثر حساسية.
هنا يمكن استحضار ابن خلدون أكثر من أي فيلسوف غربي؛ فالدول، في منطق العمران، لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل حين تُستنزف مواردها وتُدفع إلى الدفاع المستمر عن نفسها.
ومن هذه الزاوية، ترى إيران أن الضغوط عليها ليست مجرد سياسة احتواء، بل محاولة لإرهاق الدولة حتى قبل المواجهة المباشرة.
لكن أخطر ما في المشهد أن الخليج، في هذه اللحظة، يبدو أقرب إلى “منطقة بينية” لا إلى ساحة محسومة.
لا حرب شاملة، ولا سلام مستقر، بل احتواء هشّ يذكّرنا بمقولة هرقليطس: لا أحد يعبر النهر مرتين، لأن كل شيء في حركة دائمة.
وهكذا فإن أي حادث بحري، أو تصريح سياسي، أو تحرك عسكري، قد يغيّر الإيقاع كله خلال ساعات. لذلك فإن ما نراه ليس مجرد توتر، بل شكل من أشكال التاريخ وهو يُكتب على مهلٍ فوق سطح البحر.
في النهاية، تقول إيران في لغتها السياسية إن أمن الخليج لا يُبنى ضدها، ولا يمكن أن يستقر إذا ظلت هي تُعامل كتهديدٍ ثابت.
وهذه ليست فقط رسالة سياسية، بل رؤية للعالم: أن النظام الذي يقوم على استبعاد طرفٍ رئيسي من معادلة الأمن يظل نظاماً ناقصاً، مهما بدا متماسكاً في الظاهر.
فكما أن أفلاطون كان يرى أن المدينة العادلة لا تقوم إلا على الإنسجام بين أجزائها، ترى طهران أن أي أمن إقليمي يستبعدها سيبقى هشّاً، لأن الهشاشة تبدأ حين يُراد للكل أن يُدار من خارج معادلته الداخلية.
هكذا، يصبح الخليج الفارسي أكثر من مساحة للصراع؛ يصبح امتحاناً لفكرة القوة نفسها: هل هي قدرة على الإخضاع، أم قدرة على إنتاج توازنٍ يمنع الإنفجار؟
إيران، في سرديتها، تختار الجواب الثاني، لكنها تفعل ذلك بلغة الأول.
وهذه هي المفارقة التي تجعل التوتر قائماً، وتفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الردع المتبادل، حيث لا يهدأ البحر تماماً، لكنه لا ينفجر أيضاً.



