‏ثمن السلام حين يصبح التطبيع اختبارًا للهيمنة.

‏ب✍️محمد الجوهري.

‏ليست السياسة، في لحظاتها الكبرى، مجرد تبادل مصالح بين دول، بل هي امتحان عميق لمعنى القوة وحدودها. وحين يطلب رئيس أمريكي من دول الخليج أن تجعل من التطبيع مع الكيان ثمنًا مفترضًا للسلام مع إيران، فإننا لا نكون أمام مبادرة دبلوماسية عابرة، بل أمام محاولة لإعادة تعريف معنى السلام نفسه: هل السلام هو إطفاء نار الحرب، أم هو نقل كلفة الحرب إلى صدور الآخرين؟ وهل يكون الإستقرار ثمرة توازن عادل، أم قناعًا جديدًا لخرائط الهيمنة القديمة؟

‏في ظاهر المشهد، يبدو الطرح الأمريكي كأنه دعوة إلى “نظام إقليمي جديد”، حيث تُدفع الدول العربية والإسلامية إلى الإنضمام إلى النادي الإبراهيمي باعتباره بوابة عبور نحو الأمن والازدهار. لكن خلف هذا الخطاب اللامع تقف حقيقة أكثر قسوة: إن المطلوب ليس سلامًا بالمعنى الأخلاقي للكلمة، بل اصطفاف سياسي وأمني يُراد له أن يحوّل الخليج إلى هامش دفاعي متقدم عن الكيان.

‏فالسلام هنا لا يولد من اعتراف متبادل بالحقوق، بل من هندسة الخوف؛ ولا يقوم على مصالحة تاريخية، بل على تحويل إيران إلى مركز تهديد دائم، وتحويل التطبيع إلى شرط من شروط النجاة.

‏إن الفلسفة السياسية تعلّمنا أن كل مشروع إمبراطوري يحتاج إلى أسطورة مؤسسة. والأسطورة التي رُوّجت خلال السنوات الماضية تقول إن الكيان لم يعد عبئًا على المنطقة، بل بوابة للأمن والتكنولوجيا والطاقة والتجارة. لكن الحروب تكشف ما تخفيه الإتفاقات.

‏فما إن اهتزت معادلات الردع، حتى بدا أن بوابة الأمن الموعودة قد تكون مدخلًا إلى العاصفة، وأن الإزدهار الموعود قد يتحول إلى تكلفة أمنية وسياسية لا تستطيع أي دولة خليجية عاقلة أن تتحملها منفردة أو جماعيًا.

‏من هنا يمكن فهم صمت القادة في المكالمة لا بوصفه ارتباكًا بروتوكوليًا فحسب، بل بوصفه لغة سياسية مكتملة.

‏أحيانًا يكون الصمت أبلغ من التصريح، لأنه لا يمنح الخصم جوابًا يستثمره، ولا يمنح الحليف وعدًا يقيّده. لقد كان ذلك الصمت، إن صحّت دلالته، إعلانًا غير مباشر بأن المنطقة لم تعد قابلة للإدارة بالأوامر ذاتها، وأن الدول التي كانت تُستدعى إلى الطاولة لتوقيع ما يُكتب لها، باتت تدرك أن التوقيع في زمن الردع ليس كالتوقيع في زمن الإطنفراد الأمريكي.

‏أما تهديدات ليندسي غراهام، فهي تكشف الجانب العاري من الخطاب الأمريكي. فحين تتحول الدعوة إلى السلام إلى وعيد بـ“عواقب وخيمة”، يصبح السلام نفسه شكلًا من أشكال الإكراه.

‏وهنا تسقط الأخلاق من اللغة الدبلوماسية، ويظهر جوهر المسألة: ليس المطلوب أن تقتنع السعودية أو قطر أو غيرهما بجدوى التطبيع، بل أن تخضع لمنطق يعتبر العلاقة مع الكيان معيارًا للطاعة السياسية.

‏غير أن هذا المنطق يصطدم اليوم بواقع جديد؛ فالدول لا تقيس خياراتها بما يرضي واشنطن وحدها، بل بما يحفظ توازنها الداخلي، وأمنها الإقليمي، وعلاقات الجوار التي لا يمكن استبدالها بضمانات بعيدة.

‏السعودية، على وجه الخصوص، ليست دولة صغيرة تبحث عن مظلة بأي ثمن. إنها تدرك أن التطبيع مع الكيان، في ظل حكومة يمينية متطرفة، وفي ظل غياب مسار جدي للفلسطينيين، لن يكون صفقة مجانية، بل مقامرة استراتيجية.

‏فالقبول بتطبيع غير مشروط يعني نقل التوتر إلى الداخل، وإضعاف موقع الرياض في العالمين العربي والإسلامي، وربط أمنها بمشروع لم يثبت أنه قادر على حماية نفسه فضلًا عن حماية الآخرين.

‏أما أبوظبي، التي دخلت مبكرًا في التجربة الإبراهيمية، فتبدو اليوم كمن يريد ألا يبقى وحيدًا في ممر المخاطر. فكلما اتسعت دائرة المطبّعين، تفرّقت كلفة الإستهداف، وتحوّل العبء من خصوصية إماراتية إلى بنية إقليمية واسعة.

‏لكن هذه الرغبة لا تلغي حقيقة أن تعميم المخاطرة لا يجعلها أقل خطرًا؛ بل قد يحوّل الخليج كله إلى ساحة مكشوفة ضمن صراع لا يملك قراره النهائي.

‏المفارقة أن ترامب، في سعيه إلى تحويل صفقة السلام مع إيران إلى منصة لتوسيع التطبيع، قد يكشف ضعف المشروع أكثر مما ينقذه. فلو كان النادي الإبراهيمي مشروعًا جذابًا بذاته، لما احتاج إلى ضغط الحرب وتهديدات الكونغرس ومساومات اللحظة الأخيرة.

المشاريع التاريخية الحقيقية لا تولد من الإبتزاز، بل من شعور عميق بأنها تخدم مصالح الشعوب والدول.

‏أما حين يحتاج المشروع إلى حرب كي يتوسع، وإلى تهديد كي يُقبل، فذلك يعني أنه لم يكتسب شرعيته الطبيعية بعد.

‏في المحصلة، ليست المسألة أن دول الخليج ترفض السلام، بل إنها بدأت تميّز بين السلام كقيمة، والسلام كأداة هيمنة. وهي تدرك أن حسن الجوار مع إيران، مهما كان شائكًا، يبقى ضرورة جغرافية لا تلغيها التحالفات العابرة.

‏كما تدرك أن الكيان، الذي قُدّم يومًا بوصفه بوابة الإستقرار، قد يصبح في لحظة التحولات عبئًا استراتيجيًا على كل من يرتبط به بلا حساب.

‏لذلك فإن صمت المكالمة لم يكن فراغًا في الكلام، بل امتلاءً بالمعنى.

‏كان إعلانًا بأن الشرق الأوسط الجديد لا يُصنع بضغط الزر من واشنطن، ولا يُدار بمنطق النادي المغلق.

‏لقد تغيّرت الحسابات، وتبدّلت موازين الخوف، وصار على من يطلب ثمن السلام أن يدرك أولًا أن الشعوب والدول لم تعد مستعدة لدفع فواتير مشاريع لا تمنحها أمنًا، ولا عدالة، ولا كرامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى