‏جبهة لبنان بين المسيّرة والمفاوضات: حين يصبح الهامش مركزا.

ب✍️محمد الجوهري.

‏ليست جبهة لبنان تفصيلا عسكريا على أطراف المشهد الإقليمي، وليست مجرد خط تماس قابل للضبط وفق إيقاع الغارات والتهديدات. إنها، في لحظة التفاوض الكبرى بين إيران والولايات المتحدة، تتحول إلى مرآة مكثفة لمعادلة أوسع: من يملك القدرة على الصبر، ومن يملك القدرة على الإرباك، ومن يستطيع أن يحوّل المحدود جغرافيا إلى واسع سياسيا واستراتيجيا.

‏ما نقلته قناة “كان” العبرية عن “مطاردة القادة” ليس خبرا عابرا في الإعلام الإسرائيلي، بل اعتراف غير مباشر بأن حزب الله انتقل في إدارة الجبهة من منطق الرد الناري التقليدي إلى منطق أكثر تعقيدا: مراقبة، استنزاف، ضغط على هياكل القيادة والسيطرة، وإدخال الضابط الإسرائيلي نفسه في دائرة القلق. فالجيوش لا تهتز فقط عندما تخسر دبابة أو موقعا، بل تهتز أكثر عندما يصبح عقلها الميداني مكشوفا، وحركتها محسوبة، وقيادتها مضطرة إلى التفكير في كل انتقال وكل اجتماع وكل ظهور.

‏هنا تكمن أهمية الطائرة المسيرة. ليست المسيرة مجرد سلاح صغير، ولا هي أداة تقنية محايدة.

‏في الحرب الحديثة، المسيرة هي فلسفة كاملة: عين معلقة في السماء، ورسالة نفسية قبل أن تكون انفجارا، وقدرة على جعل العدو يعيش تحت وطأة الإحتمال. والإحتمال، في الحروب، أقسى أحيانا من الحدث نفسه. أن لا يعرف الضابط الإسرائيلي متى يكون مرصودا، وأن لا يعرف الجيشُ أي مسار آمن وأي تجمع قابل للإستهداف، فهذا بحد ذاته نقل للمعركة من أرض الجنوب اللبناني إلى داخل الوعي العسكري الإسرائيلي.

‏من سردية المقاومة، هذا ليس تصعيدا عبثيا، بل توازن جديد في الردع.

‏فإسرائيل اعتادت أن تحتكر السماء، وأن تجعل من الطيران لغة العقاب والإخضاع، وأن تستخدم التفوق الجوي كأنه قدر ثابت.

‏لكن المسيرات اللبنانية، حتى حين تكون محدودة الحجم، تكسر هذا الإحتكار الرمزي.

‏هي تقول إن السماء لم تعد ممرّ طرفٍ واحد، وإن التفوق ليس صخرة أبدية، وإن القوة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات الحربية، بل بقدرة الطرف الأضعف ماديا على إرباك الطرف الأقوى، وجعله يراجع حساباته عند كل خطوة.

‏لذلك نرى الإرتباك الإسرائيلي يتجلى في لغة التهديد والوعيد. وحين يهدد الجيش الإسرائيلي بقصف مبان عدة مقابل كل مسيرة تطلقها المقاومة، فهو لا يعلن قوة بقدر ما يكشف مأزقا.

‏فالقوي الواثق لا يحتاج إلى تضخيم تهديده، ولا إلى تحويل كل حادثة إلى عرض ناري.

‏التهديد الواسع هنا محاولة لتعويض عجز محدد: العجز عن إغلاق السماء تماما، والعجز عن منع المقاومة من ابتكار أساليب ضغط جديدة، والعجز عن فرض قواعد اشتباك أحادية.

‏لكن اللافت أن إسرائيل، حتى الآن، تكتفي في كثير من الأحيان بقصف جوي محسوب خارج الخطوط التي قد تفتح مواجهة كبرى، ولا تذهب إلى تنفيذ تهديداتها بالمدى الذي تعلنه.

‏وهذا ليس صدفة. فالقيادة الإسرائيلية تعرف أن جبهة لبنان ليست ساحة بلا ثمن، وأن أي اندفاع غير محسوب قد يفتح بابا لا تملك تل أبيب وحدها قرار إغلاقه.

‏في لبنان، ثمة ذاكرة قتال طويلة، وثمة بنية ردع تراكمت منذ سنوات، وثمة طرف يعرف كيف يحوّل الجغرافيا الصغيرة إلى معضلة استراتيجية.

‏في المقابل، يأتي التحذير الإيراني من أن التصعيد قد يعرقل جهود المفاوضات ليكشف جانبا آخر من المعادلة. إيران لا تتعامل مع جبهة لبنان بوصفها ورقة منفصلة عن الإقليم، بل كجزء من مسرح أوسع تتداخل فيه غزة، ولبنان، وسوريا، والعراق، والبحر الأحمر، والملف النووي، والعقوبات، والوجود الأميركي في المنطقة.

‏ومن هنا، فإن الرسالة الإيرانية مزدوجة: لا يمكن فصل التهدئة عن العدالة السياسية، ولا يمكن مطالبة محور المقاومة بضبط النفس بينما تستمر إسرائيل في سياسة القصف والإغتيال والضغط.

‏في المفاوضات بين إيران وأميركا، تدور المعركة الحقيقية حول معنى القوة.

‏واشنطن تريد تفكيك عناصر النفوذ الإيراني وتحويلها إلى ملفات منفصلة: النووي وحده، الصواريخ وحدها، الحلفاء وحدهم، الجبهات وحدها.

‏أما إيران فتتعامل مع هذه العناصر بوصفها شبكة واحدة من الردع والسيادة والمكانة الإقليمية.

‏ولذلك فإن جبهة لبنان، في لحظة التفاوض، ليست ضجيجا جانبيا، بل تذكير بأن السياسة لا تنفصل عن الميدان، وأن الطاولة لا تملك كل الحقيقة إذا كانت السماء والجبهات تقول شيئا آخر.

‏من الناحية العسكرية، يبدو أن حزب الله يريد تثبيت معادلة جديدة: ليست الحدود الشمالية لإسرائيل منطقة آمنة بالمعنى العسكري، وليست حركة الضباط والمقار القيادية بعيدة عن الرصد.

‏هذه المعادلة لا تهدف بالضرورة إلى الإنزلاق نحو حرب شاملة، بل إلى منع العدو من إدارة الحرب المحدودة وفق مزاجه وحده.

‏فحين يعرف الطرف الإسرائيلي أن كل تصعيد قد يقابله إرباك في منظومة القيادة والسيطرة، يصبح قرار التصعيد أكثر كلفة، ويصبح ضبط النفس الإسرائيلي ليس فضيلة أخلاقية بل نتيجة حسابات قاسية.

‏أما سياسيا، فإن لبنان نفسه يقف في قلب هذه المعادلة الصعبة. هناك من يريد تصوير المقاومة كأنها عبء على الدولة، لكن السؤال الأعمق هو: أي دولة تستطيع حماية سيادتها إذا كانت السماء مستباحة والحدود مهددة والعدو يتصرف كأنه صاحب حق في القصف متى شاء؟ المقاومة، في سرديتها، لا تلغي الدولة بل تملأ فراغ القوة الذي تركته الدولة الضعيفة والنظام العربي العاجز.

‏قد يكون هذا جدلاً لبنانيا مفتوحاً، لكنه لا يمكن حسمه بالشعارات.

‏يحسمه الواقع: إسرائيل لا تفهم إلا ميزان الكلفة.

‏وهنا تدخل الفلسفة في صلب السياسة. فالقوة، كما تعلِّمنا التجارب، ليست دائما في الضربة الأكبر، بل في القدرة على فرض سؤال دائم على العدو.

‏نيتشه تحدث عن إرادة القوة، لا بوصفها رغبة عمياء في العنف، بل بوصفها قدرة الكائن على تجاوز موقع الضعف وصناعة معنى لوجوده.

‏وفي جبهة لبنان، تبدو المقاومة كمن يقول إن الوجود السياسي لا يمنَح، بل يُنتزع؛ وإن الشعوب الصغيرة لا تعيش بالأماني، بل بالقدرة على جعل كلفة إلغائها أكبر من قدرة الآخرين على تحملها.

‏ليست المسيَّرات إذن مجردَ معدن ومحرك وشحنة.

‏إنها تعبير عن تحول تاريخي في معنى الحرب: لم يعد الضعيف مضطرا إلى انتظار تكافؤ كامل كي يؤثر، ولم يعد القوي قادراً على النوم داخل فائض قوته.

‏التقنية حين تدخل يد صاحبِ قضية تتحول إلى لغة. ولغة المسيَّرات اليوم تقول إن الحدود ليست صامتة، وإن الضابط ليس بعيدا، وإن القيادة ليست محصّنة، وإن كل حرب تبدأ في العقل قبل أن تبدأ في الميدان.

‏في النهاية، تبدو جبهة لبنان كأنها اختبار مكثف لمرحلة إقليمية كاملة.

‏إسرائيل تهدد لكنها تحسب.

‏المقاومة تضغط لكنها تضبط الإيقاع.

‏إيران تفاوض لكنها لا تقبل أن تفاوض من موقع المنزوع الأدوات. و‏أميركا تدرك أن أي اتفاق لا يراعي حقائق القوة على الأرض سيبقى حبرا معلقا فوق نار.

‏بين المسيَّرة والمفاوضات، بين الغارة والتحذير، بين الخط الأصفر والطاولة البعيدة، تتشكلُ معادلةً جديدة: لا سلامٌ بلا توازن، ولا تفاوضٌ بلا قوة، ولا سيادةٌ لمن لا يستطيعَ أن يجعل العدوَ يفكر مرتين قبل أن يطلقَ تهديدَهُ الأول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى