
ب✍️محمد الجوهري.
ثمةَ لحظةٌ نادرةٌ في التاريخ حين يكشف الزعيم، بحركةٍ واحدة لا يُدرك خطورتها، عن حقيقته المُضمَرة كاملةً؛ لا يكشفها عدوٌّ، ولا يفضحها خصمٌ، بل يفضحها حُرَّاسُه هو، حين يُجرِّدون جنوده من أسلحتهم قبل أن يلتقي بهم قائدُهم المزعوم. ما جرى على الجبهة اللبنانية حين زار نتنياهو جنوده لم يكن إجراءً أمنياً عادياً؛ بل كان اعترافاً وجودياً عميقاً بحقيقةٍ طالما أراد إخفاءها: أنه يخشى مَن يدَّعي قيادتهم.
تناول توماس هوبز في "اللويثان" فكرةً محوريةً مفادها أن السلطة لا تقوم إلا على عقدٍ ضمني بين الحاكم والمحكوم، يتنازل فيه الثاني عن قوّته مقابل الحماية. غير أن ما يحدث حين يُجرَّد الجنديُّ من سلاحه أمام قائده هو عكس هذا العقد تماماً: الحاكم يستردُّ القوة التي أعطاها، يُقرُّ ضمنياً أن الحماية التي يقدمها وهمٌ متبادل، وأن الثقة غائبةٌ في الاتجاهَين.
فريدريك نيتشه، الذي أرّقه سؤال الإرادة والقوة طويلاً، كان سيرى في هذا المشهد نموذجاً لما سمّاه "إرادة الضعف"؛ تلك اللحظة التي يتظاهر فيها الضعيف بالقوة لكنه يتخلى عن أقنعته في أشد اللحظات دلالةً. الزعيم الذي يهاب جنوده لا يملك "إرادة القوة" بمعناها الحقيقي؛ بل يملك إرادةَ الاستمرار، وهي إرادةٌ دفاعيةٌ انكماشيةٌ لا إرادةُ بنّاء ومحارب.
في أدبيات علم النفس السياسي، يُميِّز الباحثون بين نمطَين من القيادة: القائد القائم على الكاريزما الحقيقية، الذي يستمد سلطته من هيبةٍ داخليةٍ يُحسّها المحيطون به فيُذعنون طوعاً، والقائد القائم على الإكراه، الذي يُعوِّض غياب الكاريزما الداخلية بتضخيم أجهزة الضبط والسيطرة من حوله.
نتنياهو، المحاصَر بملفات الفساد، والمتهم بالتضحية بالرهائن في سبيل بقائه السياسي، والمتشبث بمقعده وسط تصدعٍ في حكومته، يُجسِّد النمط الثاني بامتياز. مصادرة أسلحة الجنود ليست سوى الامتداد الطبيعي لمنطقه: كلُّ مَن حوله تهديدٌ محتمل، لأن مَن فقد ثقته بنفسه يفقد ثقته بالجميع.
يُسمّي علماء النفس هذه الحالة بـ"جنون العظمة الدفاعي"؛ وهو ليس جنوناً بالمعنى الإكلينيكي البحت، بل هو منطقٌ شبهُ عقلاني ينشأ حين يدرك الزعيم أن شرعيته تآكلت، فيتحوّل الحلفاء في وعيه إلى مصادر خطر محتملة. في هذه الحالة، لا يثق بالقريب قبل البعيد، ولا بالمطيع قبل المعارض، ولا بالجندي الذي يحمل سلاحاً أُعطي له ليحارب بأمره.
المفارقة الأخلاقية: القائد الذي لا يثق بمقاتله
ثمةٌ مفارقةٌ أخلاقية بالغة الدلالة في المشهد ففي حين يطلب القائد الذي لا يثق بمقاتليه، من هذا الجندي أن يَقتُل ويُضحّي بحياته باسم الدولة وقائدها، لكنه لا يُمنح ثقةً كافيةً ليحمل سلاحه أمام ذلك القائد ذاته. هذا التناقض ليس هفوةً تنظيمية، بل هو الشقُّ الذي تتسرَّب منه أزمةٌ أعمق: هي أزمة العقد الأخلاقي بين القائد والجندي.
في الفلسفة العسكرية الكلاسيكية، من أرسطو إلى كلاوزفيتز، لا تنهض جيوشٌ حقيقيةٌ إلا حين يثق الجندي بقائده ثقةً تجعل الموتَ في سبيله معقولاً. أما حين تُصادَر ثقةُ الجانبَين معاً، فإن الجيش يتحوّل إلى آلةٍ مُكرَهة، تُنفِّذ لأنها مُهدَّدة، لا لأنها مُقتنعة، وهذا النوع من الجيوش يُقاتل، لكنه لا ينتصر.
قال ماكيافيلي إن الأمير الذي يُحاط بالحُرَّاس حيث يصبح القائد سجيناً، دون حاجةٍ حقيقية هو أمير يحكم بالخوف لا بالمحبة، وأن مَن يحكم بالخوف يُقيم سلطتَه على رمالٍ. لكن ما لم يقله ماكيافيلي، ربما لأنه لم يتخيَّله، هو أن ذروة الخوف السياسي تتجلّى حين يتحوَّل القائد نفسه إلى سجينٍ داخل جيشه، خائفٍ من جنوده كما يخافون هم من العدو.
نتنياهو في تلك اللحظة، واقفاً أمام جنودٍ عُزَّل بأمره، لم يكن زعيماً يزور محاربيه؛ كان رجلاً يُحاصَر بأوهامه، يرى في كل بندقيةٍ خطراً، وفي كل جندي احتمالاً. وهذا بالضبط ما يميّز نهايات الطغاة عبر التاريخ: لا يسقطون دائماً بضربةٍ من الخارج، بل كثيراً ما يبدأ سقوطهم حين يصبح أكثر مَن يخافونه هم أقربُ الناس إليهم.



