‏حديقة الأطفال: فلسفة الإهمال وجريمة الفراغ… ‏حين تُصبح اللعبة استعارةً للإنهيار….

‏ب✍️محمد الجوهري.

‏ثمة صورة لا تُنسى: طفلة صغيرة تجلس وحدها على زحليقة في حديقة عامة، حولها أرض جرداء وألعاب مُفككة ومقاعد خشبية تتفتت من الزمن والإهمال. لا تعرف هذه الطفلة أنها تجلس في قلب استعارة فلسفية عميقة، استعارة لمجتمع يُهمَل ببطء، ولإدارة محلية تمارس ضرباً صامتاً من ضروب العنف.

‏الفلسفة النفسية لا تبدأ من الكتب الضخمة، بل تبدأ من هذا المشهد: مساحة خضراء تحوّلت إلى صحراء من الأتربة، وقناة مائية ينبغي أن تُورق فيها الحياة باتت مكبّاً للنفايات.

‏هنا، في هذا المكان البائس، يمكن أن نقرأ نفسية المدينة بأسرها.

‏أولاً: البيئة المُهملة ومرآة النفس الجماعية

‏يؤكد علم النفس البيئي، الذي أسّس له روجر باركر وطوّره لاحقاً روبرت غيفورد، أن الإنسان لا يسكن في المكان فحسب، بل يَسكنه المكانُ أيضاً.

‏ما تبدو عليه الحديقة العامة في أي مدينة هو انعكاس أمين لحالة الوعي الجماعي، ودليل على ما تُولِيه السلطة المحلية من قيمة للإنسان العادي.

‏حين تنهار ألعاب الأطفال ويبقى الإطار المعدني قائماً كهيكل عظمي بلا روح، وحين تتراكم النفايات في قنوات كان يُفترض أن تتدفق فيها المياه، فنحن لسنا أمام إخفاق تقني أو شحّ في الموارد، بل أمام رسالة رمزية تبثّها السلطة للمواطن: "أنتَ لا تستحق أكثر من هذا."

‏هذا ما يسمّيه الفيلسوف الإجتماعي الفرنسي بيار بورديو "العنف الرمزي"، أي ذلك الإكراه الخفي الذي لا يترك كدمات على الأجساد، لكنه يترك ندوباً عميقة في الوعي الذاتي وفي الشعور بالكرامة.

‏المواطن الذي يدفع ضرائب ورسوماً لبلدية لا تُقدّم في المقابل سوى إهمال منهجي يتعلّم، شيئاً فشيئاً، أنه لا قيمة له.

‏ثانياً: نفسية الإهمال الممنهج — من النسيان إلى الإستغلال.

‏ما يجعل المشهد أكثر إيلاماً من مجرد الفقر أو العجز هو الإنتقائية في الإهمال.

‏فالأكشاك التجارية احتلت جنبات الحديقة وازدهرت، بينما الألعاب تتفكك وأرض الحديقة تجفّ.

‏هذا التناقض ليس عشوائياً.

‏يُميّز علم النفس السياسي بين نوعين من الإهمال: الإهمال العاجز الناتج عن شُح الموارد، والإهمال الإنتقائي الناتج عن انعدام الإرادة.

‏النوع الأول يدعو إلى التعاطف، أما النوع الثاني فيدعو إلى المساءلة.

‏حين تجد الإدارة المحلية مالاً ووقتاً وجهداً لاستيعاب الأكشاك التجارية المدرّة للإيجارات، لكنها لا تجد فلساً واحداً لإصلاح زحليقة مكسورة أو مقعد خشبي متآكل، فهذا إخبار صريح بسلّم الأولويات.

‏إريك فروم في كتابه "الهروب من الحرية" يتحدث عن كيفية تحوّل المؤسسات من خادمة للإنسان إلى مسيطرة عليه.

‏البلدية لم تُنشأ لتُدرّ أرباحاً، بل لتُنظّم الحياة العامة وتصون جمالها وكرامتها.

‏حين تنقلب المعادلة وتُصبح المؤسسة العامة مصدراً لريع المحسوبين على حساب خدمة المواطن، يكون الإنعكاس الفرويدي قد اكتمل: ما يُفترض أن يحمي الطفل بات يُهدد طفولته.

‏ثالثاً: الطفل في الفراغ — جرح التنشئة الإجتماعية

‏الصورة الأكثر بلاغةً بين ما رُصد هي صورة الطفلة الجالسة وحيدةً.

‏الطفولة بطبيعتها تبحث عن الحركة والاستكشاف والتفاعل مع الآخرين، وهذا ما أسّس له جان بياجيه في نظريته التطورية حين أكد أن اللعب ليس ترفاً بل أداة بناء للعقل والشخصية.

‏حين تَحرم البيئةُ المُهمَلة الطفلَ من أدوات اللعب السليم، فهي لا تحرمه من المتعة فحسب، بل تحرمه من مراحل نموّ نفسية لا تعوّض.

‏أرض الحديقة الجرداء وألعابها المتهالكة لا تقول للطفل "العب وابنِ نفسك"، بل تقول له: "هذا ما أعددناه لك، لا تطلب أكثر."

‏وبهذا تُزرع في الوجدان منذ الطفولة بذرة القبول القسري، القبول بالأقل، وهو ما يُسمّيه علم النفس التربوي "الإستسلام المكتسب."

‏رابعاً: المدينة بوصفها مرآة للسلطة

‏المدن الكبرى في العالم تحوّلت حدائقها إلى رموز ثقافية وهوياتية.

‏حديقة سنترال بارك في نيويورك، وحديقة هايد بارك في لندن، ليستا مجرد مساحتين خضراوتين، بل تعبيران عن فلسفة سياسية واضحة: المواطن يستحق فضاءً عاماً نظيفاً وجميلاً يُشعره بالإنتماء لمدينته.

‏في المقابل، حديقة مهجورة تسرقها الأكشاك وتبتلعها الأتربة تُشير إلى فلسفة مغايرة: الفضاء العام ليس حقاً، بل امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء وتسلبه ممن تريد. وهذا الخيار الفلسفي، حتى لو لم يُصَغ في وثيقة رسمية، يُقرأ يومياً في وعي المواطن وجسده وعلاقته بمدينته.

‏المدينة التي تملأ شوارعها النفايات وتتهاوى فيها حدائقها تقول لسكانها بصوت صامت لكن مدوٍّ: "أنتم لستم سوى سكان مؤقتين في مكان لا أحد يملكه حقاً." هذه الرسالة تُدمر الإنتماء وتُعمّق الإغتراب النفسي عن المكان.

‏أخيراً لماذا الحديقة المُهملة تصبح سؤالاً أخلاقياً؟

‏في نهاية المطاف، حديقة الأطفال المهجورة ليست مجرد مشكلة بلدية تحتاج إلى قليل من الصيانة وإعادة تأهيل. هي سؤال أخلاقي وجودي يُطرح على كل من يتقلّد منصباً عاماً: هل تؤمن بأن المواطن يستحق البهاء في حياته اليومية؟ هل تُدرك أن طفلاً يلعب في فضاء آمن ونظيف اليوم هو مواطن واثق من نفسه ومنتمٍ لوطنه غداً؟

‏ما تكشفه الصور المرفقة ليس إخفاقاً إدارياً عابراً، بل تراكماً يمتد عبر سنوات من اللامبالاة المتعمدة.

والأخطر في هذا الإهمال أنه يُطبّع الأجيال على القبول بالأقل، ويُفقدها القدرة على تخيّل حياة أفضل في المدينة ذاتها التي وُلدت فيها.

يقول المفكر الفرنسي غاستون باشلار في "جماليات المكان" إن الفضاء الذي نشأنا فيه لا يُشكّل ذاكرتنا فحسب، بل يُشكّل خيالنا وقدرتنا على الحلم. حين نُهمل الحديقة، لا نُهمل العشب والألعاب الصدئة فقط، بل نُهمل خيال طفل وقدرته على أن يحلم بمدينة أجمل.

‏وذلك، في حسابات الأخلاق والفلسفة على حدٍّ سواء، جريمة لا تسقط بالتقادم.

‏حديقة الأطفال: فلسفة الإهمال وجريمة الفراغ... ‏حين تُصبح اللعبة استعارةً للإنهيار....
‏حديقة الأطفال: فلسفة الإهمال وجريمة الفراغ... ‏حين تُصبح اللعبة استعارةً للإنهيار....
‏حديقة الأطفال: فلسفة الإهمال وجريمة الفراغ... ‏حين تُصبح اللعبة استعارةً للإنهيار....
‏حديقة الأطفال: فلسفة الإهمال وجريمة الفراغ... ‏حين تُصبح اللعبة استعارةً للإنهيار....
‏حديقة الأطفال: فلسفة الإهمال وجريمة الفراغ... ‏حين تُصبح اللعبة استعارةً للإنهيار....
‏حديقة الأطفال: فلسفة الإهمال وجريمة الفراغ... ‏حين تُصبح اللعبة استعارةً للإنهيار....

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى