
ب✍️محمد الجوهري.
في فلسفة الإختفاء التكتيكي وحرب العصابات
مقدمة: الكذبة التي تقتل أبناءنا
يُقال لنا منذ الطفولة أن التراجع عار، وأن الثبات شرف، وأن من يترك أرضه خائن. وتلك الجملة بعينها — الجميلة في شعرها، القاتلة في تطبيقها — هي التي دفعت آلاف المقاتلين إلى موت لم يغيّر معادلة، وأسقطت حصوناً كان يمكن تركها لتُستردّ لاحقاً بكلفة أقل بكثير.
الحقيقة التي لا يحبّ أحد أن يقولها بصوت عالٍ: الإنسحاب في الوقت المناسب انتصار. والثبات في الوقت الخطأ جريمة بحق من يُؤتمن عليهم.
هذا ليس تبريراً للهزيمة. هذا هو منطق الحرب حين تُفهَم حرباً لا مسرحية.
أولاً: ماذا قال من فهموا الحرب حقاً؟
لم تأتِ مبادئ حرب العصابات من غرف مريحة بعيدة عن الميدان، بل من عقول اختبرت الهزيمة قبل النصر، وفهمت أن القوة الحقيقية لا تُقاس بعدد من يثبتون بل بعدد من يبقون.
ماو تسي تونغ صاغ معادلته الشهيرة بأربع جمل لا تزال تُدرَّس في أكاديميات عسكرية حول العالم: "العدو يتقدم، نحن ننسحب. العدو يتوقف، نحن نضايقه. العدو يتعب، نحن نضربه. العدو ينسحب، نحن نلاحقه." في هذه الجمل الأربع تكمن رؤية كاملة للحرب: الزمن سلاح، والحركة حماية، والإستنزاف استراتيجية لا نقيصة.
تشي غيفارا ذهب أبعد حين أضاف البُعد الإنساني: المقاتل الذي يتجذّر في مكان يتحوّل إلى هدف. والهدف الثابت في مواجهة قوة نيران ساحقة هو هدف محكوم عليه، لا بطل. التنقل الدائم عنده ليس تكتيكاً عسكرياً فحسب، بل هو فلسفة وجود للثائر الذي يفهم أن الأيديولوجيا وحدها لا تصدّ الصاروخ.
أما كلاوزفيتز فقد أمدّنا بالأداة التحليلية الأهم: الفصل التام بين المعركة التكتيكية والهدف الاستراتيجي. خسارة أرض، خسارة موقع، حتى خسارة مدينة — لا يعني شيئاً طالما أن الإرادة السياسية حية والقوة البشرية محفوظة. من يخلط بين المعركة والحرب يخسرهما معاً.
ما يجمع هؤلاء الثلاثة رغم اختلاف سياقاتهم وأيديولوجياتهم: الأرض أداة، لا معبود. والمقاتل الذي يموت من أجل رمز لا يخدم قضيته — يُضعفها.
ثانياً: التاريخ لمن يريد أن يقرأه
لبنان 2006: حين كانت الحسابات أقوى من الشعارات
حين اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان صيف 2006، توقع الجميع حسماً سريعاً. آلة عسكرية من بين الأكثر تطوراً في العالم في مواجهة تنظيم، مهما بلغت قدراته، يبقى أقل تسليحاً وأضعف لوجستياً.
لم يحدث الحسم. لماذا؟
لأن ما جرى لم يكن حرب مواقع كلاسيكية. حزب الله لم يُقاتل دفاعاً عن قرى بعينها بالمعنى التقليدي — ثبّت حيث يمكنه تكبيد العدو ثمناً مرئياً أمام الرأي العام العالمي، وانسحب حيث كان الثبات يعني الإبادة المجانية. النتيجة: ثلاثة وثلاثون يوماً عجزت فيها إسرائيل عن تحقيق أي من أهدافها المعلنة، وخرجت من الحرب بمعادلة ردع مختلفة تماماً عمّا دخلتها به.
الإنسحاب التكتيكي هنا لم يكن جبناً — كان الأداة التي جعلت الصمود ممكناً.
أفغانستان: عشرون عاماً لاستنزاف الإرادة
عشرون عاماً. أكبر تحالف عسكري في التاريخ. تريليونات الدولارات. أحدث تقنيات الإستخبارات والرصد. وفي النهاية: مشاهد مطار كابول 2021 التي لم يتخيّلها أحد.
طالبان لم تهزم الناتو في معارك نظامية. فعلت شيئاً أكثر فاعلية وأشد إيلاماً للعدو حيث استنزفت الزمن.
لم تحتفظ بالمدن حين هوجمت، بل ذابت في التضاريس والمجتمعات، وظلّت تضرب وتختفي وتعود، حتى أفقدت العدوَّ شيئاً أثمن من الجنود والمعدات — أفقدته الإرادة السياسية.
حين لم يعد الشعب الأمريكي يفهم سبب حرب لا نهاية لها ولا أفق، انتهت الحرب. ليس في الميدان، بل في الرأي العام الداخلي.
هذا هو المعنى الحقيقي لجملة كلاوزفيتز: الحرب امتداد للسياسة، والسياسة في نهاية المطاف قرار شعوب لا جيوش.
غزة 2023 – 2026: قراءة أمينة في درس مؤلم
غزة نموذج مختلف يستحق قراءة أمينة بعيداً عن العاطفة.
حين فرض الحصار الكامل وأغلق الفضاء الجغرافي شرط التنقل الحر، وجدت فصائل المقاومة نفسها أمام معادلة ليست من اختيارها: المواجهة في فضاء مغلق عبر شبكة الأنفاق بدلاً من المناورة الميدانية المفتوحة. الثمن البشري كان مأساوياً. لكن الذي يجب قراءته أيضاً: أن هذا الصمود أفشل الأهداف المعلنة لعملية وصفها أصحابها بأنها ستنهي المقاومة خلال أسابيع — وهو ما لم يتحقق.
السؤال الذي يطرحه هذا النموذج ليس عن النصر والهزيمة بالمفهوم التقليدي، بل عن السؤال الأعمق: ماذا يعني أن تربح معركة وتخسر حرباً؟ وماذا يعني أن تخسر معركة وتبقى فاعلاً لا يمكن تجاهله؟
ثالثاً: العدو الداخلي — حين تصبح الثقافة قيداً
الخطر الحقيقي على أي مقاومة لا يأتي دائماً من الخارج. يأتي أحياناً من ثقافة داخلية تحوّل الإنسحاب التكتيكي إلى تهمة، وتجعل القيادة العسكرية رهينة للرأي العام العاطفي لا للحساب الاستراتيجي البارد.
حين يصبح الإنسحاب خيانة في الوجدان الجمعي، وحين يُطالَب القائد بالثبات لأن الناس تريد مشهداً لا لأن المشهد يخدم الهدف، تتحوّل الحرب من استراتيجية إلى استعراض. والإستعراض يُرضي الجمهور ويقتل المقاتلين.
الفرق بين القيادة والديماغوجيا العسكرية: القائد يتخذ القرار الصعب غير الشعبي الذي يحفظ القوة. الديماغوغ يتخذ القرار الشعبي الذي يدمّرها.
خاتمة: من يملك المستقبل؟
في الحروب غير المتكافئة، السؤال الفاصل ليس من يحتل الأرض اليوم. السؤال هو: من سيكون موجوداً غداً ليستردّها؟
العدو المتفوق عسكرياً يريدك ثابتاً — لأنه يعرف تماماً كيف يدمر الثابت. يريدك أن تحوّل كل موقع إلى كرامة لا تُساءل، وكل تراجع إلى وصمة. لأنه حين تفعل ذلك، تكون قد أتممت له نصف المهمة.
الإنسحاب التكتيكي ليس تخلياً عن الوطن. هو صون الوطن في أعمق تجلياته: في الإنسان الذي يعيش ليعود، وفي التنظيم الذي يبقى فاعلاً، وفي الإرادة التي لا تنكسر لأنها أحسنت إدارة الخسائر.
الوطن ليس حجارة الأرض وحدها. الوطن هو الإنسان القادر على استعادتها.
وفرق شاسع بين من يموت من أجل وطنه، ومن يموت بسببه.



