‏من تآكل الردع إلى مأزق القرار: ميزان القوى الجديد والسردية الإسرائيلية المتصدعة

ب✍️ محمد الجوهري.

‏لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت إسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً نارياً وتقنياً، بل ما إذا كان هذا التفوق لا يزال قابلاً للتحول إلى حسم سياسي وردع نفسي كما كان يُروَّج له لعقود.

‏وفي قلب هذا التحول، يظهر التردد في الرد أو تأجيله بوصفه علامة على تغير أعمق في ميزان القوى، لا على مجرد حسابات تكتيكية عابرة.

‏قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تاريخياً على فرضية واضحة: إنذار مبكر، ضربة استباقية، ثم ردّ سريع يعيد تثبيت الهيبة ويمنع الخصم من تكرار الفعل.

‏لكن هذا البناء تعرض خلال السنوات الأخيرة لتآكل متدرج، قبل أن ينكشف على نحو فجّ بعد السابع من أكتوبر، حين سقطت صورة الجدار الإستخباري المحكم، وتبيّن أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية أكثر هشاشة مما تسمح به السردية الرسمية.

‏التحول الأهم لم يكن في اختفاء التفوق الإسرائيلي، بل في تغير طبيعته وحدوده.

‏ فما تزال إسرائيل تمتلك سلاحاً جوياً متقدماً، وبنية إستخبارية واسعة، ودعماً غربياً حاسماً، لكنها لم تعد قادرة على فرض معادلة الحسم السريع على خصوم يعملون ضمن منطق الإستنزاف، وتوزيع الجبهات، وتكلفة الرد المتبادل.

‏ من غزة إلى جنوب لبنان، ومن البحر الأحمر إلى إمكانات الرد الإيراني المباشر، نشأ مشهد إقليمي لا يلغي القوة الإسرائيلية، لكنه يقيّد فعاليتها ويجبرها على العمل تحت سقف ردع متبادل متحرك.

‏هنا تحديداً تتجاوز المسألة بعدها العسكري المباشر إلى بعدها النفسي–الرمزي. فالسردية الإسرائيلية لم تقم فقط على امتلاك أدوات القوة، بل على إقناع المجتمع والخصوم بأن إسرائيل تبادر دائماً، وتفاجئ دائماً، وتعاقب دائماً، ولا تترك ضربة بلا جواب يرمم صورة الدولة الحامية.

‏ وحين تبدأ القيادة في الإغراق بالتسريبات عن مشاورات طويلة وخيارات مدروسة وضغوط أميركية وحسابات توقيت، فإن هذا لا يشي فقط بحذر عسكري، بل بانكشاف رمزي أيضاً: صورة الدولة التي كانت تصوغ إيقاع الحرب باتت أسيرة سؤال الكلفة وحدود الإحتمال.

‏داخل المجتمع الإسرائيلي، يصبح هذا التحول أكثر خطورة. فالدولة التي قدّمت نفسها باعتبارها الضامن المطلق للأمن الشخصي والجماعي تواجه اليوم جمهوراً يرى مستوطنات تُخلى، وجبهات تُستنزف، ومواعيد الحرب تتسع بلا نصر حاسم.

‏ وكلما ارتفع الخطاب الرسمي عن استعادة الردع من دون ترجمة ميدانية تقنع الداخل، تآكلت الثقة بالمؤسسة السياسية والعسكرية معاً، وتحولت السردية من مصدر تعبئة إلى مصدر ضغط وانقسام.

‏أما في وعي الخصوم، فإن التبدل لا يقل عمقاً. لقد تراجعت صورة إسرائيل بوصفها قوة فوق-إقليمية لا تُمس، لصالح تصور آخر يراها طرفاً قابلاً للإستنزاف والإرباك والإخضاع لمعادلات الكلفة.

‏ وهذه النقلة النفسية شديدة الأهمية، لأن الردع ليس مجرد قدرة على التدمير، بل قدرة على غرس الخوف المسبق في ذهن الخصم؛ وإذا تراجع هذا الخوف، أو صار مشروطاً، فإن جزءاً كبيراً من وظيفة الردع يكون قد تآكل بالفعل.

‏في هذا السياق، يكتسب عامل الوقت ثقلاً سياسياً حاداً بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو. فهو لا يواجه فقط خصوماً خارجيين، بل يواجه أيضاً ائتلافاً يمينياً متطرفاً اعتاد ربط بقائه بمستوى العنف المستخدم وبالقدرة على إظهار الحسم.

‏وقد أظهرت تقارير سابقة أن شركاء أساسيين في الائتلاف هددوا بالإنسحاب عندما شعروا بأن نتنياهو لا يذهب بعيداً بما يكفي في التصعيد، وأن انسحابهم المشترك قد يهدد بقاء الحكومة نفسها.

‏لهذا، فإن عدم تنفيذ ردّ هذه الليلة، إذا استمر التلويح به من دون ترجمة، لن يُقرأ فقط كقرار عسكري مؤجل، بل كإشارة ضعف مضاعف: ضعف أمام الخصوم في الخارج، وضعف أمام شركائه في الداخل.

‏وفي بيئة إسرائيلية مشحونة يعتبر فيها اليمين المتطرف أن بقاء الحكومة مشروط بإظهار القوة الدائمة، قد يتحول التأجيل إلى مادة اتهام سياسي مباشر ضد نتنياهو، لا سيما إذا بدا وكأنه يوازن بين الردع العسكري وبين الخوف من الإنزلاق إلى حرب لا يضمن نتائجها.

‏بكلمات أخرى، لم يعد مأزق نتنياهو مقتصراً على سؤال: كيف يرد؟ بل أصبح أيضاً: ماذا يعني ألا يرد الآن؟ ففي لحظة كهذه، قد يهدد التردد موقعه السياسي بقدر ما يهدد صورة إسرائيل الردعية نفسها. وإذا كان الرد يحمل خطر التوسع، فإن عدم الرد أو إرجاءه يحمل خطر سقوط الرواية التي حكمت الوعي الإسرائيلي طويلاً: أن إسرائيل لا تتلقى الضربة ثم تنتظر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى