
نص كتبته بتاريخ العاشر من نيسان بعد إعلان وقف إطلاق النار في الثامن منه وتريثت بنشره لليوم.
خيانة اللاوعي: حين يصبح انتصار إسرائيل رغبةً عربية خفيّة.
ب✍️محمد الجوهري.
في لحظات الإنقسام الحاد، لا يعود الصراع مجرد مواجهة بين أطراف سياسية، بل يتحوّل إلى مرآة تكشف تصدّعات أعمق داخل الوعي الجمعي.
هناك، في تلك المنطقة الرمادية بين ما نقوله وما نرغب فيه، يتشكّل نوع من الخطاب المزدوج: خطاب يعلن العداء الصريح لإسرائيل، ولاوعي يتسلّل ليمنحها دور المنقذ المؤقت في صراع داخلي محتدم.
هذه المفارقة ليست طارئة، بل تعبّر عن أزمة مركّبة تتداخل فيها السياسة بالنفس، والهوية بالخوف، والرغبة بالإنكار.
هذا النص لا يحاول إدانة موقف بقدر ما يسعى إلى تفكيك بنية نفسية–فكرية تتشكّل تحت ضغط الإحباط والهزيمة وانهيار المعايير.
إنه بحث في الكيفية التي يمكن أن ينقلب فيها العداء إلى أداة، والعدو إلى وسيلة، حين تفقد الذات قدرتها على ضبط حدود الكراهية ومعايير الإنتماء.
في هذا السياق، يصبح فهم اللاوعي السياسي ضرورة، لا لفهم الآخرين فقط، بل لمواجهة التناقض الذي قد يسكن داخلنا جميعاً.
هذه الحالة تعبّر عن انقسام داخلي بين خطابٍ واعٍ يلعن “الكيان الصهيوني” وبين لاوعيٍ يتمنى عملياً انتصار إسرائيل بوصفها أداة للإنتقام من حزب الله وإيران.
هذا الإنقسام ليس مجرد نفاق سياسي، بل بنية نفسية – فلسفية معقدة تمزج الكبت والإنكار والإسقاط مع أزمة هوية عربية في زمن التطبيع الناعم.
ــ اللاوعي السياسي ورغبة “الانتقام بالعدو”
وفق التحليل النفسي، اللاوعي مستودع لدوافع ورغبات مكبوتة لا يعترف بها الإنسان لأنها تُهدّد صورته عن ذاته أو هويته الأخلاقية.
في حالتنا، ثمّة عداء حاد تجاه حزب الله وإيران، يتجاوز الخلاف السياسي العقلاني ليصبح رغبة دفينة في محو هذا الخصم ولو على يد عدوّ معلَن هو إسرائيل.
إذ يشعر هذا الشخص بأن حزب الله صادر دولته ورهن مستقبله، فيبحث لاشعورياً عن “قوة أعلى” تقتص له، فيُسقِط عليها وظيفة الخلاص، حتى لو كانت قوة احتلال طالما عاداها في خطابه.
في لحظة الحديث عن وقف إطلاق النار، يظهر اللاوعي على شكل انزعاج من كل هدنة قبل “الإجهاز على الحزب”، ما يكشف أن معيار القيمة عنده لم يعد السيادة أو حياة المدنيين أو عدالة القضية، بل فقط زوال خصمه الداخلي.
هنا يتحول العدو الخارجي إلى وسيلة “تطهير” داخلي، فتغدو الحرب مشهداً تعويضيّاً لكرامةٍ مجروحة أكثر مما هي صراعاً تحررياً أو دفاعياً.
ــ آليات الدفاع: الإنكار والإسقاط والتطبيع النفسي.
يُعرِّف علم النفس آليات الدفاع بأنها استراتيجيات لاواعية يغيّر بها الإنسان إدراكه للواقع كي يحمي نفسه من القلق والشعور بالذنب.
في هذه الحالة تعمل ثلاث آليات متشابكة:
أ- الإنكار: هو رفض الاعتراف بأن التمنّي بانتصار إسرائيل خيانة لقيم يعلنها صاحبها حول العروبة ورفض الصهيونية، فيقول لنفسه: “أنا لا أريد انتصار إسرائيل، أنا فقط أريد التخلص من الحزب”.
ب- الإسقاط: ينكر دوافعه الذاتية فيضعها في خصومه، فيتهم الآخرين بأنهم “أذناب لإيران” أو “أدوات لمحور”، بينما هو نفسه يستبطن قبولاً عملياً بأن يكون أداة لصالح المحور المضاد، أي إسرائيل وحلفائها، ولو تحت ستار “السيادة”.
ج- التطبيع النفسي: وهو أخطر من التطبيع السياسي، لأنه يعيد تعريف العدو في الوعي حتى يغدو وجود إسرائيل “أهون الشرور” أو “ضرورة تاريخية” في مقابل خصم داخلي شيطاني.
هكذا يتحول الإحتلال من جريمة مستمرة إلى خيار واقعي يمكن توظيفه في صراع داخلي.
بهذه الآليات ينجح الفرد في المحافظة على صورة ذاتية مزيفة: “أنا عروبي ومعادٍ للصهيونية”، وفي الوقت نفسه يترك لعقله الباطن حرية التشجيع على سحق حزب عربي مقاوم على يد جيش احتلال أجنبي.
ــ أزمة هوية عربية مكسورة.
هذا التمزق يكشف أزمة هوية عربية عميقة لا تتعلق بحزب الله وحده، بل بسؤال: من هو العدو ومن هو الحليف في زمن انهيار الدول وتكاثر المحاور.
حين تفقد الدولة شرعيتها في نظر الفرد، وحين يختبر المهانة الإقتصادية والسياسية، يصبح مستعداً نفسياً لإعادة ترتيب خريطة العدو والصديق بحيث ينتقم أولاً من “الجار المختلف” ولو بالارتماء في حضن عدو تاريخي.
إن تبنيه للسردية الإسرائيلية – من وصف المقاومة بالإرهاب، إلى اختزال الصراع في “مغامرات” عسكرية – هو محاولة لتقمّص رواية المنتصر كي يتخفف من عبء الإنتماء إلى معسكر مهزوم أو منقسم.
يتزيّا بزي العروبة لفظياً ليحفظ ماء وجهه أمام ذاته وجماعته، لكنه في العمق يُعيد تعريف العروبة بما يتسق مع إرادة القوة لا مع إرادة التحرر: عروبة لا ترى حرجاً في انتصار العدو إذا كان هذا الإنتصار يخدم تصفية الحساب الداخلي.
ــ من النقد إلى التفكيك الذاتي.
من زاوية فلسفية، هذه الحالة نموذج عن مفارقة “الذات المتناقضة” التي تتبنى قيماً في اللغة وتنقضها في الفعل، فتعيش ما يسميه الفلاسفة “سوء الإيمان”؛ أي حالة إنسان يعلم في قرارة نفسه تناقضه لكنه يختار ألا يراه.
هذه الشخصية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى شجاعة تفكيك ذاتها: من أين يأتي هذا الحقد على الحزب؟ ما حدود النقد المشروع وما لحظة الانزلاق إلى التمنّي بانتصار الإحتلال؟
إن مواجهة هذا الانقسام لا تتم باتهامه بالخيانة فحسب، بل بدعوته لوعي ما هو مكبوت في داخله: أن عداءه للمقاومة، إن لم يُضبط بمبادئ أوسع من الكراهية، سيتحوّل لاشعورياً إلى تحالف وجداني مع العدو موضوعياً.
عندها فقط يمكن للنقد السياسي أن يتحرر من ثقل العقد النفسية، وأن يعود العداء للكيان الصهيوني موقفاً وجودياً لا مجرد شعار يُستخدم في النهار بينما يتآكل في ظلام اللاوعي.



