‏«من بيروت إلى سويسرا: ثبات المحور وبداية تقليم أظافر إسرائيل».

‏ب✍️محمد الجوهري.

‏لم يكن القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت مجرّد حلقة جديدة في سلسلة اعتداءات متكررة، بل بدا كأنه محاولة أخيرة لإختبار حدود الدم والنار قبل أن تُغلَق النافذة أمام المغامرة العسكرية المفتوحة.

‏الضربة التي أرادت لها تل أبيب أن تكون عرضاً للقوة في قلب العاصمة اللبنانية، انتهت كاشفة هشاشة أخرى؛ هشاشة ليست في القدرات العسكرية للمحور المقابل، بل في سقف الحركة الإسرائيلية نفسه، حين تبيّن أن ما يُشعل من هنا يُطفَأ هناك، بقرار يتجاوز حكومة العدو إلى العواصم التي تمسك بخيوط اللعبة الكبرى.

‏في موازاة هدير الطائرات وصدى الإنفجارات، بدا صمت السلطة اللبنانية فاضحاً إلى حد الفضيحة. لا بيان، لا موقف، لا حتى محاولة متعثّرة لصياغة لغة تحفظ ما تبقى من هيبة شكلية لدولة تُقصَف عاصمتها فيما أهل الحكم يتصرفون كأن ما يجري في كوكب آخر.

‏هذا الصمت لم يعد حياداً ولا حكمة، بل تحوّل إلى نوع من الإقرار الضمني بأن القرار الحقيقي في مكان آخر، وأن ما يُقال في بيروت الرسمية أقل أهمية بكثير مما يُقال في واشنطن وإسلام آباد وطهران وتل أبيب.

‏ لبنان هنا ليس دولة ذات سيادة تُستدعى حين تُنتهك، بل مجرّد مساحة صامتة تتلقى نتائج اشتباك أكبر من مقاسها، وأكبر من مستوى طبقته السياسية البائسة.

‏في المقابل، كانت طهران تتحرك بثبات لاعبٍ يعرف أن الوقت يعمل لصالحه. الإستنفار الإيراني لم يظهر في صورة رد إنفعالي متسرّع، بل في سياق معادلة واضحة: ضبط التصعيد من جهة، والإستثمار السياسي في فائض القدرة من جهة أخرى.

‏ الضربة على الضاحية تحولت إلى مادة إضافية في ميزان التفاوض مع واشنطن، ودليلاً عملياً على أن أي محاولة لإحراج إيران عبر الساحة اللبنانية لن تمر بلا كلفة على أصحابها.

‏هنا تحديداً برزت باكستان، التي خرج رئيس وزرائها ليعلن أن مراسم توقيع الإتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ستُعقد في سويسرا، وأن هذا الإتفاق يتضمن وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان. معنى ذلك أن الدم اللبناني الذي أرادته "إسرائيل" ورقة ضغط، انقلب جزءاً من ثمن التسوية المفروضة عليها.

‏في واشنطن، لم ينجح البيت الأبيض في إخفاء انزعاجه من مغامرة نتنياهو. الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي اعتاد أن يقدم نفسه حامياً لـ"إسرائيل"، وجد نفسه مضطراً إلى نفي علمه المسبق بالقصف على بيروت، وإلى إعلان عدم رضاه عن الهجوم لأنه عطّل توقيع الإتفاق مع إيران لساعات حرجة.

‏أكثر من ذلك، تسرّبت أخبار عن اتصال غاضب بين ترامب ونتنياهو، استخدم فيه الرئيس الأميركي عبارات قاسية، متهماً رئيس الوزراء الإسرائيلي بسوء التقدير وتعريض المفاوضات الإستراتيجية مع طهران للخطر من أجل استعراض عسكري عابر على الساحة اللبنانية.

‏فجأة، لم تعد "إسرائيل" الدولة المدللة التي تفعل ما تشاء ثم تتكفل واشنطن بترتيب الفوضى من بعدها، بل ظهرت كطرفٍ مُعنَّف سياسياً من راعيه الأول، يُوبَّخ لأنه تجاوز الخطوط الحمراء الأميركية في توقيت خاطئ.

‏على مستوى الخطاب، حاول ترامب في البداية أن يصف ما يجري في لبنان بأنه "مناوشة منفصلة" عن الإتفاق المؤقت مع إيران، كأن الدم هنا تفصيل يمكن عزله عن الصفقة هناك. لكن تتابع الضربات، واتساع دائرة التوتر من الجنوب إلى بيروت، وصدى الردود الصاروخية من جبهات أخرى، كلها عوامل دفعت الوسيط الباكستاني إلى تثبيت قاعدة جديدة: لا إتفاق جدياً من دون إدخال لبنان في حسابات وقف النار. بهذا المعنى، فرض المحور، بصلابته واستمراره في الضغط، تعديل شروط اللعبة على طاولة التفاوض، بحيث أصبح وقف النار في لبنان ليس منّة من أحد، بل بنداً إجبارياً في أي تسوية بين واشنطن وطهران.

‏في الخلفية، كانت عواصم أوروبية وعربية تتحرك بقلق. الأوروبيون يدفعون نحو تهدئة شاملة خشية انفجار أوسع على المتوسط، ودول عربية تمارس ضغوطاً صامتة على تل أبيب، لا حباً ببيروت، بل خوفاً من أن تتدحرج كرة النار إلى ساحات أخرى. غير أن العنصر الفارق لم يكن في هذه الضغوط المتناثرة، بل في حقيقة أن القوة التي امتلكتها "إسرائيل" تاريخياً في فرض إيقاع الحرب لم تعد كافية لتجاوز سقفٍ يرسمه توازن الردع الإقليمي. للمرة الأولى منذ زمن طويل، تجد تل أبيب نفسها مضطرة للإنصياع إلى وقف إطلاق نار لا لأن جيشها تعب، بل لأن هامشها السياسي أُغلق من فوق، بفعل تقاطع مصالح أميركية وإيرانية، وبفعل قدرة المحور على إبقاء أكثر من جبهة معلّقة فوق رأسها.

‏هكذا يتشكل سؤال المرحلة: هل تدخل "إسرائيل" عصر تقليم الأظافر؟

‏المقصّ هنا ليس بياناً دولياً ولا قراراً أممياً، بل معادلة قوامها ثلاثة عناصر: محور صمد تحت القصف وواصل الضغط من لبنان وغزة واليمن إلى ما وراء الخليج؛ إدارة أميركية أدركت أن إطلاق يد تل أبيب بلا ضوابط يهدد مصالحها الأوسع ويفجر جبهة مع إيران لا تريدها؛ وحلفاء إقليميون ودوليون باتوا يرون في مغامرات "إسرائيل" عبئاً لا أداة

يمكن توظيفها إلى ما لا نهاية.

‏في هذا السياق، يصبح وقف إطلاق النار الشامل، بما فيه لبنان، ليس مجرد استراحة محارب، بل علامة على بداية زمن تُضطر فيه "إسرائيل" إلى حساب رد الفعل قبل أن تضغط على الزناد.

‏أما لبنان الرسمي، فيظل الغائب الأكبر عن هذه اللوحة. محورٌ يثبت تحت النار، وواشنطن تغيّر نبرتها، وباكستان تحجز مقعد الوسيط الكبير، وإيران تخرج من المعركة ومعها اتفاق يعترف بدورها، فيما الدولة اللبنانية لا تملك حتى شجاعة القول إن ما يجري على أرضها جزء من صراع عالمي على مستقبل المنطقة.

‏هنا تحديداً يكتمل المشهد المفارق: محورٌ بلا دولة يفرض معادلات، ودولة بلا قرار تراقب مصيرها يُرسَم في من اسلام آباد وسويسرا.

‏وفي قلب هذا التناقض، تخرج "إسرائيل" من جولة الحرب هذه وهي مضطرة لأول مرة إلى النظر في مرآة جديدة: مرآة لا ترى فيها سيفاً مشرعاً كما تشتهي، بل أصابع تُمسك بالمقص فوق أطراف أظافرها، وتذكّرها بأن زمن الضرب من دون حساب قد بدأ يقترب من نهايته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى