‏مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية: إعلام الخوف من حرية لبنان.

‏ب✍️محمد الجوهري.

تُظهر ردّة فعل الإعلام اللبناني المنتمي إلى المعسكر المعادي للمقاومة على مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، وعلى ما تسرّب عن موقع لبنان فيها، أن المشكلة ليست في «نص الاتفاق» بقدر ما هي في البنية النفسية – السياسية التي تحكم هذا الإعلام منذ سنوات. فبمجرد أن طُرحت فكرة وقف الأعمال العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، لم يتعامل هذا الإعلام مع الأمر كفرصة لانتزاع حق شعبٍ يرزح تحت النار، بل كفرصة إضافية لتجريم المقاومة وتجريد اللبناني من حقه في أن يكون صاحب قرار في الحرب والسلم على أرضه.

بدلاً من أن يكون النقاش: كيف نحمي لبنان من عدوان مستمر؟ صار السؤال المفضل لهذه المنابر: كيف نُثبت أن ما جرى هو «صفقة فوقية» بين واشنطن وطهران على حساب سيادة لبنان؟ هكذا قُدّمت المذكرة للرأي العام كأنها عقدٌ بين قوتين، تستخدم فيه إيران «لبنان الورقة» وتستخدم فيه أميركا «لبنان الضغط»، فيما يُمحى من الوعي أن ما يُفترض أن يتوقف هو حرب إسرائيلية فعلية على أرض هذا البلد، لا مناورة لفظية في بيان سياسي.

في هذا السياق، يصبح إدراج لبنان في أي نص تفاهم إقليمي دليلاً – في خطابهم – على الوصاية الإيرانية، لا على إصرار محور المقاومة على وقف العدوان على لبنان. يُقال للبناني: أنت مجرد هامش في هوامش اتفاق، لا طرف له حقّ مبدئي في وقف الحرب عليه. ومن هذه الزاوية بالتحديد تُعاد صياغة صورة المقاومة: ليست فعل دفاع عن أرض مهددة، بل مجرد أداة في يد طهران، يجب أن تُحاكَم أخلاقياً وسياسياً بمجرد أن تتحدث إيران وأميركا.

الأمثلة الأخيرة التي انتشرت في الإعلام المحلي ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل نوافذ على هذه البنية العميقة. حين تنقل قناة لبنانية رواية صحيفة إسرائيلية من نوع أن «اتفاقاً مع لبنان قد يؤدي إلى إزالة شرط انسحاب إسرائيل من لبنان عن طاولة التفاوض»، لا يُتعامل مع الأمر كفضيحة وطنية تستدعي الاستنفار، بل يمرّ الخطاب وكأنه نقاش مشروع: يمكن أن يلغى شرط الانسحاب من أرضك إذا اقتضت التسوية. هنا يحدث فعل خطير في لاوعي الجمهور: يتحول الانسحاب من حق سيادي غير قابل للمساومة إلى بند يمكن شطبه متى قرر الكبار، وتتحول أنت، كمجتمع، من صاحب الأرض إلى مستمع لنتائج المساومة عليها.

على المنوال نفسه، حين يخرج مسؤول كبير في الإدارة الأميركية عبر محطة لبنانية ليقول إن «الاتفاق لا يفرض وقفاً شاملاً لإطلاق النار في لبنان بأي ثمن»، لا يتحول هذا الكلام إلى مادة غضب أخلاقي وإدانة سياسية، بل يُستقبل ببرودة الحاشية التي تتلقى أوامر الملك. وظيفة الإعلام هنا لا تكون ترجمة وجع الناس تحت القصف، بل ترجمة منطق الخارج للجمهور: تعوّدوا على فكرة أن وقف الحرب عليكم ليس حقاً بل خياراً خارجياً؛ إن حصل فبفضله، وإن لم يحصل فـ«لأنكم لا تستحقون بعد».

أمّا عنوان من نوع «تعويضات الحرب مؤجّلة» كما يرد في بعض المواقع، فهو أكثر من مجرد خبر اقتصادي. إنه جملة تدريبية على نمط كامل من الوعي: دمك يُؤجَّل، وجراحك تُرحَل إلى وقت آخر، وحقوقك المادية والمعنوية ملف يمكن تركه في درج دوليّ إلى أن تنضج الظروف السياسية. الرسالة العميقة: لا تراهن على أن حربك تُوقَف الآن، ولا على أن خرابك يُجبَر الآن؛ تعلّم أن تعيش مؤقتاً، معلّقاً بين حرب لا تنتهي وتعويض لا يأتي.

من هذه الأمثلة يمكن رسم ملامح البنية النفسية للإعلام المعادي للمقاومة. في العمق، نحن أمام ثلاثية ثابتة: خوف من الحرية، تبعية للغالب، وازدراء للذات الجماعية. الخوف من الحرية يتجسد في رفض تحمّل كلفة استقلال فعلي، استقلال يعني أن هذا البلد لا ينتظر قرار وقف النار من واشنطن وتل أبيب، بل يفرضه بمعادلة ردع قاسية ومكلفة. هذه الحرية تخيفهم، لأنها تعني أن اللبناني لم يعد «محمية» تدار من الخارج، بل شعباً يجرّب أن يكون سيداً على قراره، ولو بثمن الدم.

التبعية للغالب تظهر في طريقة التعامل مع الكلام الأميركي والإسرائيلي كمرجع نهائي للعقلانية والواقعية. ما يأتي من هناك يُقدَّم على أنه توصيف علمي للوقائع، وما يصدر عن المقاومة يُختزل في خانة الهذيان والمغامرة. هنا يتسلّل ازدراء الذات: كل ما هو «نحن» يصبح خطأ، وكل ما هو «هم» يصبح معياراً للحقيقة. اللبناني يُطالَب بأن ينظر إلى نفسه بعين المستعمِر: كائن لا يُحسن إدارة حروبه ولا سلمَه، ولا يستحق أن يُسأل عن مصير أرضه.

على المستوى الفلسفي، حتى لو كان ذلك بشكل مقتضب، يستند هذا الإعلام إلى نفعية مبتورة تنفي وجود حق وعدالة ومعنى في التضحية. لا وجود في خطابه لحق شعب في مقاومة الاحتلال لذاته، بل فقط لحسابات كلفة وفائدة كما يراها الخارج. الخير عنده هو ما يهدّئ الأسواق ويرضي العواصم، والشر هو كل فعل يربك هذا الرضا.

في هذا المنطق، وقف الحرب على لبنان لا يُقرأ كاستعادة لحق شعب في الحياة والأمان، بل كبند في صفقة أوسع بين قوى كبرى؛ وتعويضات الحرب لا تُرى كجبر لضرر، بل كـ«حافز» يمكن منحُه أو حجبه بحسب مدى طاعة هذا الشعب لشروط المنظومة الدولية.

النتيجة أن هذا الخطاب يقتل المعنى في التضحية. الشهيد لا يعود شاهداً على أن لهذا المجتمع حدّاً يقول عنده «كفى»، بل يتحول إلى رقم في ملف «مغامرة خاسرة». الصمود تحت القصف لا يعود فعلاً أخلاقياً في مواجهة العدوان، بل يُقدَّم كحماقة سياسية. ومع كل خبر، وكل عنوان، وكل تعليق من نوع «الاتفاق لا يضمن وقفاً للنار» أو «التعويضات مؤجلة»، تُرسَّخ فكرة واحدة في وعي الناس: لا تحاولوا أن تكونوا أحراراً، فالحرية مكلفة إلى حد العبث، بينما التبعية – مهما أهانتكم – تقدم نفسها كخيار «عقلاني».

هذه اللحظة تكشف أن المعركة في لبنان ليست فقط على الحدود، بل على اللغة والمعنى. حين يُروَّج لإمكانية إسقاط شرط انسحاب الاحتلال كأمر عادي، ويُشرَح لك بهدوء أن وقف الحرب عليك ليس أولوية، ويُقال لك إن جبر ضررك مؤجل، فهذا يعني أن جزءاً من الإعلام اللبناني اختار خندقه: ليس إلى جانب مجتمع يريد أن يعيش كريماً، بل إلى جانب رواية تريد لهذا المجتمع أن يتصالح مع ضعفه الدائم. في مواجهة ذلك، تصبح الكلمة المقاومة جزءاً من معركة الوجود نفسها: إعادة إقناع اللبناني بأنه صاحب حق لا هامش، وبأن انسحاب الاحتلال من أرضه ليس بنداً إيرانياً ولا هبة أميركية، بل الحد الأدنى لأي حديث عن سلام؛ وبأن دماءه ليست فائضاً يمكن ترحيل تعويضه إلى إشعار آخر، بل أساس المعادلة التي يجب أن تُكتب من جديد بلسانه هو، لا بلسان من اعتاد أن يتكلم عنه بدلاً منه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى