
ب✍️ محمد الجوهري.
يا أخي السُّني،
قبل أن أكلّمك كـ“شيعي”، دعني أكلّمك كمسلم يرى ما تراه:
أرى مدنك المهدّمة، أسمع وجع حلب والموصل وصنعاء، وأعرف أن كثيراً من الدم الذي سال هناك رُفع فوقه شعار “يا حسين”، فترسّخت في قلبك فكرة أن الشيعي جاءك غازياً لا نصيراً.
أفهم أن اسم “إيران” عندك لا يأتي مجرّداً، بل محمولاً على صور ميليشيات وتدخّل وتغيير ديموغرافي وتهديد لعواصم عربية.
هذا كله ليس وهماً، ولا يجوز أن أطلب منك أن تمحوه بجملة عابرة.
1. من داخل قلبي الشيعي: كيف أرى إيران؟
أنا، كشيعي لبناني، لا أرى إيران فقط كما تراها أنت:
أراها أولاً بلداً قال “لا” لأميركا وإسرائيل، في زمن اصطفّت فيه معظم أنظمتنا في طابور “الإعتدال” بينما كانت دبابات إسرائيل تسرح في الجنوب وعلى حدود غزة.
أراها دولة سلّحت قرانا وساندت مقاوماتنا، وفتحت لنا سقفاً للكرامة حين كان سقف كثير من العواصم العربية لا يتجاوز بيانات الشجب.
في مخيال شريحة واسعة من الشيعة، خصوصاً في لبنان، إيران ليست “فارس القومية”، بل “أمّ للمستضعفين”:
هي الدولة التي انتشلت الشيعي من موقع الأقلية المهمّشة إلى صورة “المقاوم الممسك بالسلاح والقرار”.
لذلك لا تُرى كسلطة عابرة، بل كحسينٍ معاصر ودرعٍ حامٍ ومرآة لهويّتنا، وسقوطها يُحَسّ في المخيال الشيعي كنوع من انتحار رمزي للذات لا مجرّد تغيّر سياسي.
2. بين خوفِك وخوفِي
أنت تخاف من إيران لأنها تبدو لك مشروعاً يزحف على بلادك وهويتك.
وأنا أخاف على إيران لأنها تبدو لي آخر ظهر جدّي لمقاومة حقيقية في لبنان وغزة، وآخر قوة تجعل إسرائيل تفكر ألف مرة قبل أن تفجّر ما تشاء حيث تشاء.
في لبنان تحديداً، تشكّل وعي الشيعي على أن أمنه في مواجهة إسرائيل وميليشيات الداخل ارتبط بنفوذ طهران وسلاح حزب الله، فصار يشعر بأنه “أمة قلِقة على إيران وعلى نفسه في آن واحد”.
إن ضعفت إيران أو سقطت، يخاف أن يعود إلى عراء ما قبل المقاومة: جنوب بلا حماية، دولة بلا ظهر، وطائفة مكشوفة أمام خصومها.
خوفك وخوفي، في العمق، مولودان من التاريخ نفسه:
قرنٌ من سايكس – بيكو إلى كامب ديفيد إلى غزو العراق والثورات المجهضة.
كلٌّ منا تعلّق بصورة مخلّص:
أنت بحثت عنه في محور سني، وأنا وجدته في محور شيعي.
فضاقت عيوننا: لا نرى إلا جريمة الآخر، ولا نرى جريمة مَن يشبهنا.
3. غزة السنية… ودماء الشيعة التي سالت في طريقها
دعنا نقف عند نقطة مشتركة لا مساومة فيها:
غزة ليست مدينة شيعية، ولا تُدار بعقيدة ولاية الفقيه؛ غزة سنّية المذهب،حنبلية في المزاج الجهادي، شافعية في الفقه، أشعريّة في العقيدة – لا يهم التفصيل، المهم أن رايتها ليست راية “الشيعة”،لكنها اليوم عنوان شرف للأمّة كلها.
ومع ذلك، من فتح لها خطّ السلاح حين سُدّت الأبواب؟
من قدّم لها المال والتدريب والصواريخ حتى تحوّلت من قطاع محاصر إلى ساحة ترعب جيشاً نووياً؟
رضينا أم أبينا، جزء معتبر من قوة غزة اليوم جاء من دعم إيراني، وبواسطة رجال من بيئة شيعية لبنانية وعراقية وغيرهما، تحرّكوا تحت عنوان “محور المقاومة” لا تحت عنوان نشر المذهب.
وفي المقابل، من الذي قدّم قياداته التاريخية وخرجت من مربّع “حماية الشيعة” إلى مربّع “نصرة فلسطين”؟
رجال من حزب الله وغيره، استشهدوا وهم يرون في غزة والقدس امتداداً لعاشوراء، لا لمجرد صراع حدود، معتبرين أن دمهم جزء من معركة الأمة لا معركة الطائفة.
هذا لا يمحو جراحك في حلب والموصل وصنعاء، لكنه يكمّل الصورة:
ليس كل شيعي “حرساً ثورياً متقدماً نحوك”،
كما ليس كل سني “داعشياً متعطشاً لدمي”.
4. درس صلاح الدين: راية القدس وثمن الطائفة
ولأن التاريخ ليس أنيقاً ولا أبيض وأسود، دعنا نستدعي مثالاً حسّاساً نحتفظ به بهدوء:
نحن – سنةً وشيعة – نرفع صلاح الدين الأيوبي رمزاً لتحرير القدس، وهذا حقّ من زاوية دوره في مواجهة الصليبيين.
لكن مساره مع الشيعة في مصر لم يكن ناعماً دائماً:
بعد إسقاط الدولة الفاطمية، انتهج سياسة لإزاحة المذهب الشيعي عن مؤسسات الدولة، ألغى شعائرهم الرسمية وأبعدهم عن الأزهر والقضاء، في مسار اعتبره “توحيداً للراية” قبل معركة بيت المقدس.
يمكن أن تقول: كان يرى أن توحيد المذهب شرط لتوحيد السيف نحو الصليبيين.
لكن النتيجة على الأرض كانت أن شيعةً كثيرين دفعوا ثمن هذه “الوحدة” قتلاً وإقصاءً وحرقاً لتراثهم، باسم الاستعداد لمعركة القدس.
أقول لك هذا لا لأهدم صورتك عن صلاح الدين، بل لأذكّرك بشيء مرّ:
حين نسمح لفكرة “توحيد الراية” أن تبرّر سحق طائفة كاملة، نكرّر الخطأ نفسه أيّاً كان اللون: سنياً أو شيعياً، عربياً أو فارسياً.
اليوم، حين تخاف أنت، يا أخي السني، من أن تكون إيران نسخة معكوسة عن هذا الوجه من صلاح الدين:
مشروع تحرير يترافق مع قمع مذهبي وتغيير ديموغرافي،
يجب أن أصغي لخوفك بجدّية، لأن للتاريخ شواهد على أن راية القدس استُخدمت أحياناً غطاءً لصراعات مذهبية وتوسّع سلطاني.
لكن في المقابل، لا يجوز أن نختزل كل مقاومة شيعية اليوم في صورة اضطهاد شيعي بالأمس،
كما لا يجوز أن نختزل كل تاريخ صلاح الدين في صفحة صراعه مع الفاطميين؛ التاريخ أعقد من أن يتحوّل إلى ثأر مذهبي مفتوح إلى الأبد.
5. هل نختزل الآخر في أسوأ نسخه؟
لو اختزلتك أنت، كسنّي، في بعض الأنظمة التي تزعم حماية أهل السنة وهي تفتح أجواءها للطائرات الإسرائيلية وتخنق غزة، هل أكون منصفاً؟
ولو اختزلتُ نفسي، كشيعي، في صور الميليشيات التي ارتكبت مجازر طائفية، هل أكون منصفاً؟
إيران – مثل صلاح الدين – مشروع ذو وجهين:
وجه مقاوم حقيقي كسر احتكار إسرائيل للقوة وفتح باباً لغزة ولبنان لا يمكن إنكاره.
ووجه سلطويّ تدخّل في مجتمعاتنا وأخطأ وظلم وشجّع أذرعاً انحرفت عن العدل.
الإنصاف أن تقول:
أرفض الوجه الثاني وأخافه،
لكنّي لا أنكر أنّ الوجه الأول حمل عني، كسني أيضاً، جزءاً من عبء معركة فلسطين يوم كان كثير من حكّامي نائمين أو متواطئين.
6. لا تبرير للظلم… ولا شيطنة مطلقة
حين أذكرك بأن الشيعة قدّموا قادتهم في سياق فلسطين وغزة، لا أطلب منك أن تغفر تلقائياً لكل جرح.
وحين أذكّر نفسي بآلامك من أذرع إيران في بلادك، لا أسمح لنفسي أن أعتبر كل نقد لإيران خيانة لفلسطين.
أنا لا أبرّئ أحداً من جرائم الطائفية،
بل أدعوك إلى ميزان جديد:
لا نحاكم الناس فقط على الراية التي يرفعونها، بل على من يقتلون وعلى من يحمون،
على أين تتوجّه بنادقهم: هل إلى صدر العدو أم إلى صدر الجار؟
7. غزة كجسر بيننا لا كساحة تصفية
دعنا نتوافق على حدّ أدنى واضح:
غزة ليست ساحة لتصفية الحساب بينك وبين إيران،
ولا بيني وبين الأنظمة السنّية.
غزة امتحان مشترك لصدقنا جميعاً:
من يمدّها بالسلاح في لحظة الحصار صادق في هذا الفعل،
ومن يساوم عليها أو يتركها للذبح خائن في هذا الفعل،
مهما كانت عمامته أو مذهبه.
لكن لا تجعل موقفك من إيران وحده معياراً للحكم على إيمان الناس وكرامتهم.
قد يكون هناك شيعي يحب إيران ويخطئ في مواضع أخرى،
وسني يكره إيران لكنه صادق في دفاعه عن القدس وغزة،
والله يحاسبنا على العدل والظلم، لا على الإصطفاف في هذا المحور أو ذاك.
8. كلمة قلبية أخيرة
أنا، كشيعي، أعتزّ أن بين قومي رجالاً حملوا دمهم على أكفّهم من أجل فلسطين وغزة،
وأخجل في الوقت نفسه من كل شيعي حمل سلاحه على مسلم أعزل أيّاً كان مذهبه.
وأنت، كسني، يحقّ لك أن تعتزّ بأن غزة سنيّة،
وبأن علماءها ومجاهديها خرجوا من مدرستك،
ويحق لك أن تخجل في الوقت نفسه من كل نظام أو جماعة سنية باعت القدس أو تغطّي الظلم.
إذا التقينا عند هذا الصدق المزدوج،
يمكننا أن نتحدّث عن إيران بعينين هادئتين،
فنقول: نريد مقاومة حقيقية بلا طائفية،
وسلاحاً يثبت في وجه إسرائيل لا في صدور شعوبنا،
ومشروع وحدة لا يكرّر على أي طائفة ما فعله بعض من سبق باسم “توحيد الراية”.
عندها فقط،
لن يكون سقوط إيران – إن سقطت – سقوطاً للشيعة،
ولا بقاء إيران – إن بقيت – كابوساً على السنّة،
بل حدثاً سياسياً نتعامل معه بعقلٍ مفتوح، وقد صار القلب أوسع من أن تمزّقه كلّما تحرّكت عاصمة هنا أو اهتزّت عاصمة هناك.



