
ب✍️ الإعلامي أحمد عواضة
*حين يُقتل الإنسان وتُحرق الذاكرة*
الجرائم الثقافية المنسية في الحرب على لبنان، في خضم الحديث عن الشهداء والجرحى والبيوت المدمرة والبنى التحتية المستهدفة، بقيت جريمة أخرى شبه غائبة عن المشهد الإعلامي والحقوقي، وهي الجريمة المرتكبة بحق الذاكرة الثقافية والتراثية للبنان. فالحروب لا تقتل البشر فقط، بل تسعى أحيانًا إلى محو ما راكمته الشعوب من تاريخ ومعرفة وهوية عبر عشرات ومئات السنين.
لقد احتضنت منازل العديد من علماء الدين والمثقفين والباحثين والأدباء والمؤرخين في لبنان مكتبات خاصة ضخمة، ووثائق تاريخية نادرة، ومخطوطات دينية وفكرية، وأرشيفات صحفية وصورًا ومستندات تعود إلى عقود طويلة، وبعضها إلى أكثر من قرن. هذه المجموعات لم تكن مجرد مقتنيات شخصية، بل كانت بمثابة خزائن للذاكرة الوطنية والاجتماعية والدينية والثقافية، تحفظ تفاصيل لا توجد في أي مكان آخر.
ومع تدمير المنازل أو تعرضها للقصف والحريق، ضاعت آلاف الوثائق والكتب والمخطوطات التي جمعها أصحابها على مدى عمر كامل، بعضها نُسخ فريدة، وبعضها الآخر يتضمن مراسلات ووثائق وشهادات تؤرخ لمراحل مفصلية من تاريخ لبنان والمنطقة. إنها خسارة لا يمكن تقديرها بالأرقام، لأن ما فُقد ليس مادة قابلة للتعويض، بل جزء من الذاكرة الجماعية للشعب اللبناني.
إن تدمير الأرشيفات الخاصة والمكتبات الشخصية لا يعني فقط خسارة مجموعة من الكتب والأوراق، بل يعني محو مصادر معرفية كان يمكن أن يستفيد منها الباحثون والمؤرخون والأجيال المقبلة لعقود طويلة. فكل وثيقة احترقت، وكل مخطوطة فُقدت، وكل أرشيف دُفن تحت الركام، هو صفحة من تاريخ لبنان أُزيلت إلى الأبد.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى توثيق هذه الخسائر الثقافية باعتبارها جزءًا من الأضرار التي لحقت بلبنان، وعدم حصر الحديث بالخسائر البشرية والمادية فقط. فالاعتداء على التراث الثقافي والذاكرة التاريخية لأي شعب هو اعتداء على هويته ووجوده وروايته التاريخية، وجريمة تتجاوز حدود الزمن الحاضر لتصيب الأجيال القادمة في حقها بمعرفة تاريخها وحفظ إرثها الحضاري.
فالبيوت يمكن إعادة بنائها، لكن الذاكرة إذا احترقت، قد لا تُستعاد أبدًا.



