الحلقة الخامسة: الحرية بين التوحيد والهوى

لماذا لا يكون الإنسان حراً إلا بالعبودية لله؟

ليست الحرية مجرد قدرة على الاختيار، ولا انفلاتاً من كل قيد، بل هي سؤال عن الجهة التي تقود هذا الاختيار وتمنحه معناه. فقد يملك الإنسان أبواباً كثيرة مفتوحة أمامه، لكنه لا يكون حراً حقاً إذا كان قلبه مأسوراً لرغبة، أو خوف، أو صورة اجتماعية، أو سلطة خفية تصنع له ما يحب وما يكره. لذلك لا يكفي أن نسأل: هل يختار الإنسان؟ بل ينبغي أن نسأل: من الذي يملك الإنسان حين يختار؟

لقد جعل الفكر الحديث الحرية قيمة مركزية، وربطها غالباً بالتحرر من السلطات والمرجعيات الخارجية. وهذا المعنى مهم حين يكون المقصود رفض الظلم والاستبداد والوصاية الجائرة، لكنه يصبح ناقصاً إذا ظن أن الإنسان يصير حراً بمجرد أن يتحرر من كل مرجعية. فالإنسان لا يعيش في فراغ قيمي، ولا يختار من عدم. وقد بيّن تشارلز تايلور أن كل اختيار يستند، بوعي أو بغير وعي، إلى تصور سابق لما نراه خيراً وأجدر بالطلب. حتى من يرفض المرجعيات الكبرى لا يعيش بلا معيار؛ بل يستبدل بها مرجعيات أخرى قد تكون اللذة، أو السوق، أو الإعلام، أو الجماعة، أو الشهرة، أو الخوف، أو المصلحة.

من هذه النقطة يكشف القرآن عمق المسألة. فهو لا يضع الإنسان أمام خيار بين العبودية وعدمها، بل أمام مفاضلة بين عبودية تحرره وعبوديات تستنزفه. فالإنسان كائن متوجه بطبيعته نحو ما يراه أعلى منه وأقدر على منحه المعنى. فإن لم يكن هذا الأعلى هو الله، صار شيئاً آخر، وربما كان أدنى من الإنسان نفسه. يقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]

هذه الآية تكشف أن الهوى قد يتحول إلى إله خفي، لا يُرى في الخارج كصنم منصوب، بل يسكن في الداخل، يأمر وينهى، يزين ويبرر، يقود الإنسان وهو يظن أنه قائد نفسه. وأخطر العبوديات تلك التي لا يشعر صاحبها بأنه عبد؛ لأنه يلبس قيده ثوب الحرية، ويحسب انقياده لرغبته تعبيراً عن ذاته.

لذلك لا يقدّم القرآن التوحيد بوصفه قيداً على الإنسان، بل طريقاً إلى تحريره. يقول تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]

فالحرية ليست كثرة الخيارات، بل نور البصيرة. قد تتعدد الطرق أمام الإنسان، لكن التعدد وحده لا يصنع الحرية إذا غاب المعيار الذي يميز به الطريق الذي يحفظ إنسانيته من الطريق الذي يسلبها. الحرية الحقّة ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء، بل أن تصبح مشيئته نفسها محررة من سلطان الهوى والخوف والوهم.

بهذا المعنى نفهم قول الإمام علي عليه السلام: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً".

هذه الكلمة أوسع من أن تُحصر في رفض الاستبداد السياسي أو الاجتماعي، فهي دعوة إلى تحرير الإنسان من كل ما يسلبه سيادته على نفسه. فقد يكون المرء حراً في القانون، لكنه عبد لشهوته؛ مستقلاً في الظاهر، لكنه أسير لخوفه؛ رافضاً للسلطة، لكنه خاضع لصورة يريد أن يراها الناس فيه. الحرية تبدأ حين يستطيع الإنسان أن يحكم رغباته بدل أن تحكمه، وأن يقود أهواءه بدل أن تقوده.

وقد ميّز طه عبد الرحمن بين حرية الإرادة وتحرير الإرادة. فليس كل من يفعل ما يشاء حراً؛ لأن ما يشاؤه قد يكون مصنوعاً بقوى لا يدركها: سوق يصنع الرغبات، إعلام يصنع الصور، جماعة تصنع المخاوف، ووسائل تواصل تصنع المقارنات. لذلك لا تكفي زيادة مساحة الاختيار، بل لا بد من الارتقاء بمستوى الإنسان الذي يختار.

تبدو العبودية لله، في ظاهرها، مفارقة مع الحرية، لكنها في العمق جوهرها. فالخضوع لموجود محدود يجعل الإنسان تابعاً لنقصه وتقلبه ومصلحته، أما التوجه إلى الله فهو توجه إلى المطلق الذي لا يحتاج إلى خضوع الإنسان ولا ينتفع بطاعته. عبودية الله لا تسحق الإرادة، بل تطهرها؛ لا تلغي الشخصية، بل تنقذها من التمزق؛ لا تطفئ الرغبة، بل ترفعها إلى مقصدها الأسمى.

وتتجلى هذه الحرية في كربلاء بأصفى صورها. لم يكن الإمام الحسين عليه السلام فاقداً للخيارات؛ كانت أمامه المساومة، والصمت، والاعتزال، وحفظ الحياة، والتكيف مع ميزان القوة. لكن الحرية التوحيدية لا تسأل أولاً: كيف أنجو؟ بل تسأل: كيف أبقى وفياً للحق؟ لذلك لم يكن الحسين أسير السلطة، ولا الخوف، ولا حسابات الربح والخسارة. كان حراً لأن مركز قراره لم يكن في ضغط الخارج ولا اضطراب الهوى، بل في علاقته بالله.

وحين قال عليه السلام: "إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً"، لم يكن يمجد الموت لذاته، بل كان يعلن سقوط ابتزاز الخوف. فالطغيان يجعل الموت آخر أسلحته، فإذا وقف أمام إنسان يرى الحياة بلا كرامة عبئاً على الروح، فقدَ سلاحه الأخير.

من هذا المعنى تصبح الولاية حراسة للحرية لا نفياً لها. فالإنسان لا يحتاج إلى قيم عليا مجردة فحسب، بل إلى نماذج متجسدة تكشف كيف تُعاش القيم عند الضغط وارتفاع الكلفة.

لذلك بقيت كربلاء مدرسة في الحرية قبل أن تكون مدرسة في التضحية؛ تعلم الإنسان أن القوة لا تصنع الحق، وأن السلامة لا تساوي شيئاً إذا اشترت صمت الضمير.

إن الحرية، في الرؤية القرآنية، ليست غياب المرجعية، بل صحة المرجعية. وليست التخلص من كل عبودية، بل التحرر من العبوديات الزائفة عبر العبودية لله. فمن لم يكن عبداً لله صار عبداً لما هو أدنى منه، ولو ظن نفسه مستقلاً. أما من جعل الله غايته، فقد تحرر من العالم كله، لأن الحق صار عنده أغلى من المكسب، والكرامة أغلى من السلامة، والوفاء أغلى من البقاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى