
ب✍️ محمد الجوهري.
هناك لحظات تتحوّل فيها اللغة إلى جدار.
لا لتحمي من العدو، بل لتحمي الذات من صداع العالم.
فحين يقول ترامب إن “أميركا تسيطر سيطرة كاملة على مضيق هرمز”، لا يصف ممرًا مائيًا فحسب؛ إنه يبني قلعةً من اليقين في وسط بحرٍ من اللايقين.
“حصارنا الفولاذي” ليس مجرد استراتيجية؛ إنه "تميمة". كلمة تُرَدَّد كدعاءٍ قديم ضدّ الخوف من السقوط.
“إيران لا تستطيع أن تفعل أي شيء” فهذه العبارة ليست قراءةً للتوازنات العسكرية فقط؛ إنها محاولة لردم الهوة بين الرغبة في الضبط واستعصاء الواقع على الضبط النهائي.
وكلما اشتدّ تعقيد العالم، ازدادت اللغة صلابةً، وكلّما تردّد الإعتراف، ازدادت الحاجة إلى تكرار السيادة.
في هذا المسرح، يتحوّل المنبر إلى مرآة.
الجمهور ليس متلقّيًا للسياسة فحسب، بل مصدرًا للإعتراف الذي يغذي صورة الذات العظيمة. “لا أحد غيرنا” ليست جملةً جيوسياسية بقدر ما هي صرخةٌ وجودية: أنا هنا، أنا متماسك، أنا من يمسك الزمام.
لكن اليقين المعلن غالبًا ما يكون بديلًا عن اليقين المفقود؛ فاللغة تعويذةٌ ضدّ الانهيار.
ثم تأتي الثنائيات الحادّة: قوّة/عجز، فولاذ/انهيار، نحن/هم، فبها يُبسَّط العالم إلى دراما أخلاقية مريحة، فتهدأ دهشة الواقع وتطمئنّ الذات إلى أنها “تفهم”.
غير أن ثمن هذا الوهم البنيوي باهظ: تشويه التعقيد، واختزال الخصم إلى جثةٍ سياسية. “الحرس الثوري دُمّر”، “القيادات مصيرها غير واضح”؛ عبارات تجعل من فوضى الخارج برهانًا على نظام الداخل.
لكن الهيمنة، حين تتحوّل إلى عرضٍ نفسي، تفقد قدرتها على قراءة العالم. “فالسيطرة الكاملة” نادرًا ما تكون كاملة؛ واليقين المطلق عادة ما يكون قناعًا لقلقٍ قديم.
وغالباً فإن هذا النمط النرجسي يزدهر في فراغ؛ فهو يجد تربةً خصبة حيث يوجد عطشٌ إلى اليقين وروايةٌ بطولية مبسّطة تُريح الجمهور من عبء التعقيد.
وبذلك يصبح المتكلّم مرآةً لقلق جمعي يريد أن يسمع أن “هناك من يمسك بزمام الأمور”.
وفي النهاية، “السيطرة الكاملة” ليست حقيقةً جيوسياسية بقدر ما هي عرضٌ نفسيّ يُخفي هشاشةً وجوديةً خلف جدارٍ من اليقين المعلن؛ فكلّما ازداد العالم تعقيدًا، ازدادت اللغة صلابةً، وكلّما تردّد الإعتراف، ازدادت الحاجة إلى تكرار السيادة.



