فضل الله يدقّ ناقوس الخطر: العدوّ لا يريد الانسحاب من لبنان… والوحدة الداخلية ضرورة لمواجهة مشروعه التوسّعي

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بوصايا رسول الله (ص)، عندما قال لأصحابه ولنا: "كونوا أخوةً بررة، متحابّين متواصلين"، "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يشتمه"، "المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذبه"، "المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه"، "من أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم"، "من سمع رجلًا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم".. "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسّهر"..

أيّها الأحبّة، إنّنا أحوج ما نكون إلى هذه الوصايا لنبني مجتمعًا متحابًّا متوادًّا متراحمًا، ويقف كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضًا، ويسند بعضه بعضًا عندما تواجهه التّحدّيات الّتي تريد النّيل من قيمه وعزّته وكرامته، لنكون بذلك أقوى وأقدر على مواجهة التحدّيات.

والبداية من الاعتداءات الإسرائيليّة، حيث يتابع العدوّ الإسرائيليّ ما بدأه من التّفجير والتّجريف والحرق للمباني والمؤسّسات والمدارس والبنية التّحتيّة للقرى والبلدات الجنوبيّة الّتي احتلّها والّذي لا يبدو أنّه سيتوقّف عند حدّ، فيما هو يستمرّ بغاراته على المناطق المتاخمة لمواقع احتلاله، وتخترق مسيّراته التّجسّسيّة السّيادة اللّبنانيّة، وتصل إلى بيروت وضاحيتها الجنوبيّة.

وقد جاء الإعلان صريحًا من وزير حربه، من على الأرض اللّبنانيّة، بالطّلب من جيشه الاستعداد للبقاء طويلًا في لبنان، هذا إلى جانب المناطق الّتي احتلّها في سوريا وغزّة، ليؤكّد مجدّدًا على نوايا هذا العدوّ بعدم رغبته في الانصياع لأيٍّ من المطالب الّتي تدعوه إلى الانسحاب من الأراضي اللّبنانيّة، بل قد يسعى للتّوسّع عندما تسنح له الظّروف.

وهذا ما يدعو الدّولة اللّبنانيّة، المعنيّة باستعادة سيادتها على الأراضي الّتي احتلّها العدوّ، وتحقيق آمال أهلها التّوّاقين للعودة إليها، إلى أن تراجع حساباتها في الاستمرار بمفاوضات لا تلبّي مطالبها ولا مطالب اللّبنانيّين، بالإيقاف التّامّ لوقف إطلاق النّار، والانسحاب من كامل الأراضي الّتي احتلّها، وعودة حرّة للأهالي إليها، ويدعو اللّبنانيّين إلى الوحدة الدّاخليّة لمواجهة ما يتحدّاهم من جانب هذا العدوّ ومشروعه التّوسّعيّ في هذا البلد.

في هذا الوقت، نعيد التّأكيد على ضرورة أن تقوم الدّولة بمسؤوليّتها في إيجاد حلّ لأزمة عشرات الآلاف من العائلات الّتي لا تزال في أماكن النّزوح أو ممّن تكتظّ بهم البيوت الّتي لجأوا إليها، بتوفير أماكن سكن لهم أو مساعدتهم على تأمينها، هذا إلى جانب توفير سبل العيش الكريم لمن فقدوا فرص عملهم أو ما كانوا يستعينون به على حياتهم. وهذا واجب عليها، وليس منّة منها.

وهنا ننوّه ببعض المبادرات الّتي بدأنا نشهدها من الدّولة أو البلديّات أو من أفراد ومؤسّسات وندعو إلى تعزيزها.

ونبقى على صعيد الجلسة التّشريعيّة الأخيرة لمجلس النّوّاب، لنشير إلى القرارات الّتي صدرت عنها، فعلى صعيد قرار العفو، الّذي أقرّ بعد أن أخذ حيّزًا كبيرًا من الجدل، فإنّنا كنّا ولا نزال مع إنصاف أيّ مظلوم، ومع إنهاء معاناة من أمضوا سنوات طويلة في التّوقيف دون محاكمة، ومع معالجة الاكتظاظ في السّجون. لكنّنا كنّا لا نريد لهذا العفو أن يتحوّل إلى عفو سياسيّ يأتي بنتيجة تسوية بين الطّوائف أو محاصصة بين القوى السّياسيّة، حيث يحصل كلّ طرف على العفو للفئة الّتي تعنيه، بدلًا ممّا ندعو إليه من الاحتكام إلى قواعد العدالة والقانون والأمن الاجتماعيّ.

إنّنا نريد لقرار العفو عندما يحصل، أن يصحّح الظّلم لا أن يلغي العدالة، وأن يفتح الباب أمام إصلاح القضاء والسّجون، لا أن يصبح بديلًا من الإصلاح أو بابًا للسّكوت عنه.

أمّا على صعيد قانون الإعلام، فإنّنا مع كلّ خطوة تؤدّي إلى تحديث التّشريع على صعيد الإعلام، بكلّ أشكاله، ما يمنع من أن يكون أداة للفتنة، أو يسيء إلى الحقيقة، أو يساعد أعداء الوطن على النّيل منه، لكنّنا لا نريد لهذا القانون أن يحمل أيّ نصوص فضفاضة تتيح للمصطادين في الماء العكر تأويلها لطمس الحقيقة أو استخدامها لكمّ الأفواه، أو تحويلها إلى سيف مسلّط فوق رأس من يتطلّع لإطلاق رأيه بحرّيّة، ودائمًا نريدها حرّيّة مسؤولة.

إن حرّيّة الصّحافة ليست امتيازًا للصّحافيّين، بل هي حقّ للمواطن، لأنّ المواطن، بدون إعلام حرّ، يفقد حقّه في المعرفة.

أمّا على صعيد قانون إصلاح المصارف، فإنّنا مع كلّ ما يسهم في إصلاح عملها وانتظامه، لتيسير أمور المواطنين ومعاملاتهم. ولكنّنا نعيد التّأكيد أنّ لا إصلاح للمصارف وأنّ لا عودة للثّقة بها، بدون إعادة حقوق المودعين كافّة، ومعالجة جادّة للأسباب الّتي أدّت إلى وصول البلد ومعه المصارف إلى الانهيار الّذي وصل إليه.

ونصل إلى ما يجري في غزّة، حيث تستمرّ الضّغوط الّتي تمارس عليها، إن على الصّعيد الأمنيّ، أو في الحصار المطبق عليها، والّذي يستكمل في الضّفّة الغربيّة، وذلك في إطار سعي من العدوّ لتيئيس الشّعب الفلسطينيّ ودفعه للهجرة من أرضه. وهو ما يدعو الجهات الرّاعية للاتّفاق الّذي حصل في غزّة إلى القيام بمسؤوليّتها لإيقاف نزيف الدّم والدّمار على الصّعيد العمرانيّ والاقتصاديّ وتأمين الحقوق المشروعة للشّعب الفلسطينيّ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى