‏من نورماندي إلى هرمز: إنزالٌ اقتصادي أم اعترافٌ بالعجز؟

‏ب✍️محمد الجوهري.

‏حين يعلن ترامب عن «أشد عملية اقتصادية ساحقة» على إيران، فإنه لا يفتتح حربًا، بل يوقّع اعترافًا.

‏اعترافًا لا بالحرب، بل بالعجز؛ لا بالقوة، بل بالوهن؛ لا بالسيادة، بل بالانكسار.

فبعد سنوات من الخطابات التي علت فيها السقوف حتى كادت تلامس السماء، وبعد وعودٍ تُرجّ الجبال وتُذعِن الدول، وصلنا إلى حقيقة لا تقبل التأويل: لم تستطع واشنطن فتح مضيق هرمز، ولم تجرؤ على خوض غمار المواجهة في الخليج.

‏واليوم، بدل قرارٍ عسكريّ، أو استراتيجيةٍ ذات ظهرٍ، يخرج ترامب بقرارات عزلٍ جديدة، وكأنه يخيط ستارًا من دخان على فشل استراتيجية كبرى.

‏لكن هذه «صكوك العزل» لا تعزل إيران بقدر ما تعزل أميركا؛ فكلما ضاقت دائرة العقوبات، اتسعت دائرة الشك، وتعمّق الإنقسام، واهتزت شرعية الأحادية التي كانت بالأمس مسلّمةً، واليوم متّهمة.

‏والعالم لم يعد يقبل أن تكون واشنطن شرطي الإقتصاد الأوحد، خاصة حين تتحول قراراتها إلى سيف ذي حدين: يقطع في حلفائها ، قبل أن يجرح خصومها، ويهدد استقرار أسواق الطاقة التي تقوم عليها حياة الأمم.

وواقع الاقتصاد الأميركي نفسه لا يتحمل لعبة المراهنة على النفط؛ فأميركا، رغم ضخامة إنتاجها، لا تزال أسيرة شبكة معقدة من الإستهلاك الداخلي والأسواق المالية، التي ترتجف لأي صدمة في أسعار الطاقة. وارتفاع الأسعار يعني تضخمًا متسارعًا، وضغطًا على المواطن، وهزًا لثقة الأسواق في استقرار السياسة الخارجية الأميركية. وبالتالي، فإن قرار ترامب لا يصب في مصلحة الإقتصاد الأميركي، بقدر ما يصب في مصلحة من يريدون إثبات أن واشنطن لم تعد قادرة على إدارة أزماتها، ناهيك عن إدارة أزمات العالم.

‏لكن وراء هذا كله، تكمن مفارقة وجودية أعمق: السياسة، حين تفقد فعلها، تتحول إلى مسرح. وما يعلنه ترامب اليوم ليس قرارًا استراتيجيًا، بل مشهدًا من مشاهد العبث: إنسان يصرخ في وجه الصمت، ويطلق وعودًا في وجه الفراغ، ظنًا منه أن الصوت وحده يخلق واقعًا. لكن الواقع، كصخرة سيزيف، يعود دائمًا ليهوي على من يحاول خداعه.

‏فالعجز ليس مجرد فشل تكتيكي، بل هو اعتراف ضمني بأن الإرادة وحدها لا تصنع التاريخ. وحين يتحول التهديد إلى طقس متكرر دون فعل، يصبح القائد ليس جلادًا، بل ممثلًا في مسرحية يكتبها ويخرجها ويشاهد سقوطها بنفسه. وهذا ما يسميه سارتر «سوء النية»: أن يعرف الإنسان حدود قوته، ثم يتظاهر بأنها لا نهائية، هاربًا من مسؤولية الإعتراف بالواقع.

‏والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يعلن ترامب اليوم عن انتحاره السياسي؟

‏فكلما رفع سقف التهديد دون قدرة على التنفيذ، كلما كشف عن الفجوة بين الخطاب والواقع، وبين الوعد والإنجاز.

‏وفي عالم السياسة، لا يُغفر للقائد أن يرفع راية الحرب ثم يتراجع عن خوض المعركة، لأن ذلك لا يُضعف الخصم، بل يهدم صورة القائد نفسه.

‏فالسياسة، في جوهرها الوجودي، ليست خطابًا، بل فعل؛ وحين يتحول الفعل إلى وهم، يتحول القائد إلى ظلّ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى