
الجدل حول مستقبل اليونيفيل في الجنوب يجب ألا يتحول إلى معركة شعارات بين من يريد بقاءها و ماذا نفعل عند رحيلها ؟ . فالسؤال الأكثر أهمية ليس ماذا نفعل بالقوة الدولية، بل ماذا نفعل بالفراغ الذي قد ينشأ إذا انتهى دورها قبل اكتمال البديل. اليونيفيل ليست بديلاً عن الدولة اللبنانية، ولا يمكن أن تكون كذلك، كما أن وجودها لا ينبغي أن يصبح بديلاً دائماً عن بناء جيش قادر و قوي ومؤسسات سيادية فاعلة. لكن وجودها، في إطار القرار 1701، يمثل إحدى الآليات الدولية المرتبطة بمراقبة الاستقرار ودعم تنفيذ الترتيبات القائمة. ولذلك فإن إنهاء مهمتها لا ينبغي أن يُفهم تلقائياً على أنه إلغاء للقرار 1701، لكنه يفرض سؤالاً أكثر جدية: كيف ستُحافظ على فعالية هذا الإطار إذا تغيرت إحدى الآليات التي ساهمت في تطبيقه ومراقبته؟ هنا يصبح الانسحاب اختباراً للدولة قبل أن يكون اختباراً لليونيفيل. فإذا كان الرحيل سيأتي في نهاية عملية انتقال مدروسة، يترافق معها تعزيز انتشار الجيش اللبناني، وضمان سيطرة الدولة، وآليات واضحة لمنع التصعيد، فإنه يمكن أن يكون خطوة نحو سيادة أكثر اكتمالاً. أما إذا سبق هذه الشروط، فقد يتحول من انتقال مؤسساتي إلى فراغ لا يعرف أحد كيف سيُملأ.
من حق لبنان أن يريد أن تكون الدولة صاحبة القرار على كامل أراضيها، ومن حق الجنوبيين أن يروا الجيش اللبناني حاضراً وقادراً على حماية أمنهم. لكن السيادة ليست مجرد إنتهاء دور و حضور الآخرين؛ إنها القدرة على ملء المساحة التي يتركونها. ولهذا فإن توقيت إنهاء دور اليونيفيل تصبح منطقية فقط إذا كانت جزءاً من مشروع أكبر: دولة تستعيد دورها، جيش يملك القدرة على الانتشار، حدود تحظى بترتيبات واضحة، وبيئة سياسية وأمنية تمنع عودة الجنوب إلى دورة الحرب. وقد أظهرت النقاشات الأخيرة حول ترتيبات الجنوب والمناطق التجريبية وتولي الجيش مسؤوليات أمنية أن القضية الأساسية ليست هوية القوة التي تقف على الأرض فقط، بل منظومة السلطة والأمن التي ستدير هذه الأرض عندما تتغير الترتيبات الدولية. لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى اليونيفيل كهدف بحد ذاته، لا بالبقاء ولا بالرحيل. الهدف هو أن يصبح الجنوب آمناً إلى درجة تجعل وجود أي قوة دولية انتقالياً بالفعل، لا أن يصبح رحيلها سبباً لعودة القلق.
حين تتعرض القرى الجنوبية للدمار أو تتضرر بنيتها العمرانية، فإن الخسارة لا تُقاس بعدد المباني المتضررة فقط. هناك اقتصاد محلي يتوقف، ومدارس تتعطل، وأراضٍ زراعية تفقد قدرتها على الإنتاج، وعائلات تفقد القدرة على العودة، وشباب يبدأون التفكير في الهجرة بدلاً من بناء مستقبلهم في قراهم. ولهذا فإن الأمن في الجنوب ليس قضية عسكرية منفصلة عن التنمية؛ إنه شرطها الأول. ولا يمكن أن نتحدث عن إعادة إعمار جادة بينما يبقى السكان غير متأكدين من قدرتهم على العودة بأمان. فالبيت لا يصبح وطناً بمجرد إعادة بنائه؛ يصبح وطناً عندما يستطيع أهله أن يعيشوا فيه من دون أن يشعروا بأن عليهم إخلاءه مرة أخرى. ومن هنا، فإن أي ترتيبات دولية أو لبنانية جديدة يجب أن تقاس ليس فقط بقدرتها على منع الاشتباك، بل بقدرتها على إعادة الحياة الطبيعية إلى الجنوب.
هناك فكرة أساسية ينبغي أن يتفق عليها اللبنانيون: لا يمكن أن يكون المستقبل الطبيعي للجنوب هو الاعتماد الدائم على قوات دولية. المستقبل يجب أن يكون للدولة والجيش والمؤسسات الشرعية. لكن الخطأ هو تحويل هذه النتيجة إلى نقطة بداية. فالقول إن الجيش يجب أن ينتشر لا يجيب وحده عن الأسئلة الأصعب: هل يمتلك القدرة الكافية؟ هل تتوافر له حرية الحركة؟ هل توجد ضمانات تمنع التصعيد؟ وهل تستطيع الدولة أن تمنع تحول أي حادث أمني إلى مواجهة واسعة؟ لذلك فإن دعم الجيش لا ينبغي أن يكون شعاراً، بل مشروعاً وطنياً ودولياً متكاملاً: تجهيز، تدريب، انتشار، دعم سياسي، وضمان بيئة تسمح له بممارسة دوره. لا يكفي أن نضع الدولة على الخريطة؛ يجب أن نجعلها قادرة على العمل فوقها.
أهم ما يجب ألا ننساه وسط النقاشات الدبلوماسية والعسكرية هو أن الجنوب ليس ملفاً على طاولة المفاوضات؛ إنه مجتمع يريد أن يعيش. أهل الجنوب لا يحتاجون إلى حرب جديدة كي يثبتوا صمودهم، ولا إلى خطابات جديدة كي يثبتوا تعلقهم بأرضهم. ما يحتاجونه هو أن يعودوا إلى منازلهم، وأن تُفتح المدارس، وأن تُزرع الحقول، وأن تعمل المؤسسات، وأن يبدأ الاقتصاد من جديد، وأن يشعر الشاب بأن مستقبله في قريته ممكن.
ولهذا فإن مستقبل اليونيفيل يجب أن يُناقش من هذه الزاوية تحديداً. لا نريد وجوداً دولياً دائماً، لكننا لا نريد أيضاً خروجاً يترك وراءه فراغاً. لا نريد أن تبقى الدولة ضعيفة لأن هناك قوة دولية تساعدها، ولا نريد أن تنسحب القوة الدولية قبل أن تصبح الدولة قادرة على تحمل المسؤولية. لا نريد قراراً 1701 يعيش في البيانات، بل نريد تطبيقاً يراه الناس في أمنهم وحركتهم وحياتهم اليومية.
السيادة الحقيقية ليست أن ترحل اليونيفيل. السيادة الحقيقية هي أن يصبح رحيلها آمناً.
وعندما يستطيع الجيش اللبناني أن ينتشر، وتستطيع الدولة أن تحمي، ويستطيع الأهالي أن يعودوا، وتستطيع القرى أن تعيد بناء اقتصادها، ويصبح احترام الحدود والاتفاقات أقوى من منطق الحرب، عندها فقط يصبح انتهاء مهمة اليونيفيل انتقالاً تاريخياً نحو دولة لبنانية أكثر سيادة.
أما قبل ذلك، فإن السؤال ليس من سيبقى في الجنوب.
فالجنوب لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف، ولا إلى استبدال قوة بأخرى.
إنه يحتاج إلى شيء أكثر صعوبة وأعمق معنى:
أن تصبح الدولة أقوى من الفراغ، والسلام أقوى من الحرب، وعودة الناس أقوى من الخوف.



