راشد شاتيلا: الإمام موسى الصدر… 48 عامًا من الغياب، ولبنان الذي يستحق الحقيقة والعدالة والازدهار

في الذكرى الثامنة والأربعين لإخفاء الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه، ثمانية وأربعون عامًا مرّت على إخفاء الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه فضيلة الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، وما زالت القضية حاضرة في الوجدان اللبناني، لأن الحقيقة لا يحدّها الزمن، والحق لا يفقد قيمته مهما طال الانتظار.

هذه ليست ذكرى للغياب فحسب، بل مناسبة لاستعادة معنى العدالة، واحترام الإنسان، والتمسك بالحقيقة، والإيمان بأن القضايا الوطنية الكبرى تبقى أمانة في ضمير الأجيال.

كان الإمام موسى الصدر صوتًا للإنسان، وقدوة في الدفاع عن لبنان ووحدته الوطنية. حمل قضية المحرومين من مختلف الطوائف والمناطق، انطلاقًا من إيمان بأن الحرمان لا طائفة له، وأن كرامة الإنسان حق لكل لبناني.

ودعا إلى الحوار والعيش المشترك، وإلى أن يكون الاختلاف مصدر غنى لا سببًا للانقسام. ولذلك بقيت رسالته أوسع من زمنها: لبنان واحد، والإنسان أولًا، والعدالة أساس، والوطن مسؤولية الجميع.

ومن هنا، فإن الاقتداء بالإمام الصدر لا يكون باستعادة اسمه فقط، بل بتحويل مبادئه إلى عمل: رفع الحرمان، نصرة المظلوم، حماية الوحدة الوطنية، والدفاع عن لبنان.

إن قضية الإمام الصدر ورفيقيه تذكّرنا بأن العدالة ليست انتقامًا، وأن الحقيقة ليست وسيلة للانقسام.

هي حق للعائلات، وحق للتاريخ، وحق للبنان.

ولا يجوز أن يصبح طول الانتظار سببًا للنسيان. فالدولة القوية هي التي تحمي حقوق مواطنيها، وتمنح المظلوم أملًا بالإنصاف، وتضع القانون فوق الاعتبارات، وتعمل للوصول إلى الحقيقة بالوسائل المشروعة.

وحين يشعر المواطن بأن العدالة تحميه، تنمو ثقته بالدولة؛ ومن الثقة يولد الاستقرار، ومن الاستقرار يبدأ طريق الازدهار.

وفي هذه المناسبة، أتوجه بكل الاحترام والتقدير إلى دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، الذي بقيت قضية الإمام الصدر ورفيقيه حاضرة في مسيرته ومواقفه، وحافظ على مكانتها في الذاكرة الوطنية طوال هذه العقود.

إن الإشادة بدولة الرئيس بري في هذه الذكرى هي إشادة بدور وطني يرتبط بالحفاظ على الحوار، وصون السلم الأهلي، والدفاع عن وحدة لبنان، والتمسك بالقضايا التي تمس كرامة الإنسان وحقوقه.

وفي وطنٍ مرّ بحروب وأزمات وانقسامات عميقة، تبقى حماية السلم الأهلي مسؤولية تاريخية، لأن السلم ليس مجرد غياب للصراع، بل هو حماية لحق اللبناني في أن يعيش آمنًا، وأن يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة أو فتنة.

الدفاع عن لبنان لا يعني فقط حماية أرضه وسيادته، بل حماية إنسانه ووحدته ومؤسساته ومستقبله.

فلا وطن قويًا إذا كان أبناؤه يشعرون بالحرمان، ولا استقرار من دون عدالة، ولا ازدهار من دون أمان وثقة.

وهنا تتجدد أهمية رسالة الإمام الصدر: أن لبنان لا يكون قويًا إلا عندما يشعر جميع أبنائه بأنهم متساوون في الكرامة والحقوق، وأن الدولة موجودة لحمايتهم وخدمتهم.

أما الشباب اللبناني، فعليه مسؤولية كبيرة في تحويل هذه الذكرى إلى مشروع للمستقبل.

أن نقتدي بالإمام الصدر يعني أن نتعلم منه الوحدة بدل الانقسام، والعمل بدل اليأس، والعدالة بدل الظلم، وخدمة الناس بدل البحث عن المصالح الضيقة.

جيل الشباب قادر على أن يحمل هذه القيم إلى لبنان جديد؛ لبنان يستثمر في العلم، ويخلق فرص العمل، ويرفع الحرمان، ويحمي الحريات، ويصون السلم الأهلي، ويمنح أبناءه سببًا للبقاء بدل الهجرة.

فالإمام الصدر ليس فقط جزءًا من ذاكرة لبنان؛ بل يمكن أن يكون قدوة لشبابه في صناعة مستقبل أكثر إشراقًا.

بعد ثمانية وأربعين عامًا، يبقى الوفاء للإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه مرتبطًا بالحقيقة والعدالة، وببناء لبنان الذي يستحقه أبناؤه.

وكل التحية والتقدير لدولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، على حضوره الوطني في هذه القضية، وعلى أهمية دوره في الحفاظ على الحوار والسلم الأهلي ووحدة الوطن والدفاع عن القضايا التي تمس حقوق الناس وكرامتهم.

أما رسالتي إلى الشباب، فهي أن نحمل من الإمام الصدر قيمه : أن نؤمن بالعدالة، ونحمي وحدتنا، ونقف إلى جانب المظلوم، وندافع عن لبنان بالعلم والعمل والأخلاق.

فالمستقبل لا يُبنى بالنسيان، بل بالوفاء؛ ولا بالانقسام، بل بالوحدة، ولا بالظلم، بل بالعدالة.

وإذا كان الإمام الصدر قد ترك للبنان رسالة، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحول هذه الرسالة إلى مستقبل: لبنان آمن، عادل، موحّد، مزدهر، ومشرق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى