راشد شاتيلا: لبنان لا يحتاج أن ينتصر فيه أحد… بل أن ينتصر الوطن.

يمرّ لبنان بمرحلة ستحدد الكثير من ملامح مستقبله. وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس الوطنية بمن يرفع صوته أكثر، ولا بمن ينتصر في سجال سياسي، بل بمن يمتلك الشجاعة ليضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. لقد أتعبت الأزمات اللبنانيين، وأثقلت كاهل الدولة والمجتمع، ودفعت كثيرًا من الشباب إلى الهجرة، وخلّفت في بيروت والجنوب ومناطق أخرى آثارًا مؤلمة لا يمكن تجاهلها. لكن لبنان، رغم كل ذلك، لم يفقد قدرته على النهوض. ما زالت فيه طاقات بشرية وعلمية واقتصادية وثقافية قادرة على صناعة مستقبل مختلف. والسؤال الذي يجب أن يواجهنا جميعًا اليوم ليس: من سينتصر؟ بل: كيف ينتصر لبنان؟

إن الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار نرفعه عندما تشتد الأزمات، بل هي القرار الذي يمنع الأزمة من التحول إلى انقسام دائم. لبنان بلد قائم على التنوع، ولا يحتاج إلى إلغاء اختلافاته كي يكون قويًا؛ يحتاج إلى تحويل هذا التنوع إلى مصدر غنى وتعاون. يمكن للبناني أن يختلف في السياسة، وأن ينتقد، وأن يدافع عن رأيه، لكن من دون تخوين أو كراهية أو تهديد للسلم الأهلي. فليس المطلوب أن نتفق على كل شيء، بل أن نتفق على شيء واحد: أن لبنان أكبر من خلافاتنا. وفي زمن تزداد فيه التحديات، يصبح الحوار الهادئ مسؤولية وطنية لا ترفًا سياسيًا. الكلمة المسؤولة قد تمنع فتنة، والاستماع إلى الآخر قد يفتح بابًا للحل، واحترام المختلف قد يكون أقوى من أي خطاب تصعيدي. إن حماية السلم الأهلي تعني أن نختلف من دون أن نكسر الجسر الذي يجمعنا.

ومن الوحدة الوطنية نصل إلى الدولة، ومن الدولة إلى القانون. لا يمكن أن نبني وطنًا مستقرًا إذا كان احترام القانون يتغير بحسب الأشخاص أو الظروف أو المصالح. القانون يجب أن يكون فوق الجميع، والمؤسسات يجب أن تكون المرجعية التي يلجأ إليها المواطن، والعدالة يجب أن تكون حقًا لا امتيازًا. الدولة القوية ليست دولة يخاف منها المواطن، بل دولة يثق بها المواطن. وعندما يشعر الإنسان بأن القانون يحمي حقوقه، وبأن الأمن يصون حياته، يصبح قادرًا على العمل والاستثمار والتعليم والتخطيط للمستقبل. الأمن ليس فقط غياب العنف؛ إنه وجود بيئة يستطيع فيها الإنسان أن يعيش بكرامة ويطمئن إلى المستقبل . ومن دون الأمن والاستقرار، لا يمكن لاقتصاد أن ينهض، ولا للاستثمار أن يعود، ولا للشباب أن يجدوا سببًا للبقاء. لذلك فإن احترام القانون والحفاظ على السلم الأهلي ليسا مسؤولية الدولة وحدها، بل ثقافة يجب أن يشارك فيها كل فرد وكل مؤسسة وكل مسؤول.

ثم تأتي مسؤولية إعادة الإعمار، لا بوصفها عملية لإعادة الحجر إلى مكانه، بل بوصفها مشروعًا لإعادة الحياة إلى الناس. في بيروت والجنوب وكل منطقة تضررت، يجب أن يعود البيت إلى أهله، والمدرسة إلى أطفالها، والمستشفى إلى مرضاه، والمؤسسة إلى عملها، والطريق إلى دوره في وصل الناس والمجتمعات. لكن علينا أن نمتلك طموحًا أكبر من مجرد استعادة ما كان. إعادة الإعمار يجب أن تكون فرصة لبناء لبنان أفضل مما كان عليه. بنية تحتية أكثر أمانًا، خدمات عامة أكثر كفاءة، مدن أكثر تنظيمًا، اقتصاد أكثر قدرة على الصمود، وفرص عمل تمنح الناس القدرة على استعادة حياتهم. الإعمار الحقيقي لا يقاس بعدد المباني التي تُرمم، بل بعدد الأحلام التي تستطيع العودة إلى الحياة.

ولا يمكن أن يكون لبنان الذي نعيد بناءه لبنانًا حديثًا من دون أن يكون لبنانًا أخضر وسليم البيئة. البحر الذي يحيط بنا، والمياه التي نشربها، والغابات التي تحمي جبالنا، والهواء الذي يتنفسه أطفالنا، ليست تفاصيل يمكن تأجيلها. إنها جزء من ثروتنا الوطنية وصحتنا ومستقبلنا. حماية البيئة، ومعالجة النفايات، وحماية مصادر المياه، ومكافحة التلوث، والحفاظ على الغابات والساحل، وتشجيع الطاقة النظيفة والنقل المستدام، يجب أن تكون عناصر أساسية في أي رؤية وطنية. فلا يمكن أن نبني اقتصادًا مستدامًا على بيئة مريضة، ولا أن نتحدث عن مستقبل أفضل إذا تركنا للأجيال القادمة هواءً أكثر تلوثًا ومياهًا أكثر تهديدًا. لبنان الذي يستحقه أبناؤه هو وطن يحمي الإنسان والطبيعة في الوقت نفسه.

لكن قيمة أي مشروع وطني تظهر في الطريقة التي يعامل بها الإنسان، خصوصًا الإنسان الذي يحتاج إلى دعم أكبر. الأطفال والأيتام وكبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة والعائلات الأكثر هشاشة يجب ألا يكونوا في آخر قائمة الأولويات. كبار السن يستحقون أن يعيشوا بكرامة بعد سنوات العطاء، والأيتام يستحقون الحماية والتعليم والفرصة، وذوو الاحتياجات الخاصة يستحقون حقوقًا كاملة وإمكانية الوصول إلى التعليم والعمل والمشاركة في المجتمع. الرحمة ليست ضعفًا، ورعاية الضعيف ليست عبئًا؛ إنها علامة على قوة المجتمع ورقي الدولة. ولا يمكن أن يكون لبنان مزدهرًا إذا كان بعض أبنائه يشعرون بأنهم متروكون وحدهم أمام الحياة. إن بناء شبكة حماية اجتماعية حقيقية والاستثمار في التعليم والصحة والإنسان ليس إنفاقًا بلا عائد، بل استثمار في استقرار المجتمع ومستقبله.

ويبقى الشباب قلب لبنان ومستقبله. لا يمكن أن نقول لجيل كامل «أنتم مستقبل الوطن» ثم نتركه أمام البطالة والهجرة وانسداد الأفق. الشباب لا يحتاجون فقط إلى كلمات جميلة عن الأمل؛ يحتاجون إلى فرصة حقيقية لصناعة هذا الأمل. يحتاجون إلى تعليم جيد ، وفرص عمل، واقتصاد منتج، ودعم للمشاريع الناشئة، ومساحة للابتكار والتكنولوجيا، ومؤسسات تؤمن بقدرتهم على التغيير. إذا أردنا أن يبقى الشباب في لبنان، فعلينا أن نجعل البقاء خيارًا يستحقه، لا تضحية يفرضها حب الوطن. وكل شاب يجد فرصة للنجاح في بلده هو طاقة تضاف إلى لبنان، وكل عقل يضطر إلى الرحيل هو خسارة للمستقبل. لذلك يجب أن يكون تمكين الشباب جزءًا من مشروع إعادة بناء الدولة، لا ملفًا منفصلًا عنها.

وفي النهاية، سيأتي يوم تصبح فيه أزماتنا صفحات في كتب التاريخ، وسيأتي جيل لم يعش تفاصيل الخوف والدمار والانقسام، لكنه سيعيش نتائج ما نفعله اليوم. وسيكون سؤاله بسيطًا وصعبًا في آن: ماذا فعلتم عندما كان لبنان بحاجة إليكم؟ هل اخترنا الانقسام أم الوحدة؟ التصعيد أم الحوار؟ الفوضى أم القانون؟ الخوف أم الأمن؟ اليأس أم الإعمار؟ الإهمال أم حماية البيئة؟ اللامبالاة أم رعاية الإنسان؟ إن لبنان لا يحتاج إلى أن ينتصر فيه فريق على فريق، ولا منطقة على منطقة، ولا طائفة على طائفة. لبنان يحتاج إلى أن ينتصر الوطن. أن ينتصر عندما نحمي سلمه الأهلي، ونحترم قوانينه، ونقوي مؤسساته، ونعيد إعمار بيروت والجنوب وكل منطقة متضررة، ونحافظ على أرضه وبيئته، ونحمي أطفاله وكباره وأيتامه وذوي الاحتياجات الخاصة، ونمنح شبابه سببًا جديدًا للحلم. قد نختلف، وهذا حقنا؛ لكن فلنختلف دون أن نخسر بعضنا. قد تتعدد رؤانا، لكن ليبقَ الوطن واحدًا. لأن أعظم ما يمكن أن نتركه للأجيال القادمة ليس وطنًا خاليًا من الأزمات، فهذا حلم صعب، بل وطنًا أقوى من أزماته، أوسع من خلافاته، وأعدل مع أبنائه، وأكثر أمنًا وقدرة على النهوض. وفي النهاية، لن يكون السؤال ماذا ورثنا من لبنان، بل ماذا فعلنا بما ورثناه. فالوطن أمانة، والأمانة لا تُحفظ بالكلام وحده؛ تُحفظ بالوحدة، وبالحوار، وبالقانون، وبالعمل، وبالإيمان بأن لبنان يستحق مستقبلًا أفضل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى