
*المبرّات تنظّم مؤتمرها التربوي الخامس والثلاثين "المسار التحويلي للتربية والتعليم.. نحو إنسان رسالي"*
*كرامي: "المبرّات، بخبرتها وتجربتها، شريكٌ في إنتاج المعرفة التربوية وبناء مستقبل التعليم في لبنان".*
*العلامة فضل الله: "نجاح العمل التربوي لا يُقاس بعدد الناجحين، بل بمدى قدرتنا على بناء الإنسان الذي نطمح إليه"*
*المدير العام: "التحوّل الحقيقي في التربية يبدأ بتحويل الرؤية إلى ممارسة تبني إنسانًا رساليًا".*
أكد رئيس جمعية المبرّات الخيرية سماحة العلّامة السيد علي فضل الله أن عنوان المؤتمر يطرح سؤالًا أساسيًا حول الإنسان الذي نتطلع إلى بنائه، مشددًا على أن نجاح العمل التربوي والتعليمي لا يُقاس فقط بالتقنيات والمناهج وعدد الناجحين، بل بمدى القدرة على بناء الإنسان الذي نطمح إليه، لافتًا إلى أن دور المؤسسات التربوية لم يعد يقتصر على تقديم المعرفة، في ظل الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، بل أصبح يتمثل في زرع القيم، واكتشاف المواهب، وتعليم الإنسان كيف يفكر وكيف يختار، وكيف يجعل علمه طريقًا لخدمة الإنسان والمجتمع والوطن.
جاء ذلك خلال اليوم الرئيسي للمؤتمر التربوي الخامس والثلاثين لجمعية المبرّات بعنوان "المسار التحويلي للتربية والتعليم.. نحو إنسان رسالي"، الذي انعقد في قاعة السيدة الزهراء بمجمع الإمامين الحسنين في حارة حريك، برعاية وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي وحضور شخصيات نقابية وتربوية وثقافية واجتماعية ودينية.
قدّم فعاليات المؤتمر مدير ثانوية الإمام جعفر الصادق الأستاذ محمد نصر الله، واستُهلّت بآيات بيّنات من الذكر الحكيم، ثم النشيد الوطني اللبناني، وفيلم قصير عن مجمع السيد عبد الرؤوف فضل الله الذي تم تدميره على يد العدو الاسرائيلي، فضلاً عن فقرة فنية من تقديم كورال المبرّات بعنوان "خطّ القلم".
*كرامي*
اعتذر ممثل وزيرة التربية المحامي الأستاذ فهمي كرامي عن الحضور لأمر طارئ وأرسل كلمته المسجلة التي جاء فيها: "أن تنجز مؤسسة خمسة وثلاثين مؤتمراً تربوياً ليس مجرد استمرارية في تنظيم حدث سنوي، بل تعبير عن مسار طويل من التفكير والمراجعة والتعلّم والتجديد، وعن مؤسسة تعرف كيف تستمر لأنها تعرف كيف تتطور من دون أن تفقد بوصلتها. وهذا أحد أهم مؤشرات حيوية أي مؤسسة: ألا تعتبر ما حققته سبباً للاطمئنان والتفاخر، بل مسؤولية تدفعها إلى السؤال دائماً: ماذا بعد؟ كيف نكون أفضل؟ وكيف نتغير فيما العالم من حولنا يتغير، من دون أن نفقد هويتنا ورسالتنا؟"
وأضاف: "في لحظة كهذه، يصعب أن نتحدث عن هذا المسار من دون أن نستحضر الغائبة الحاضرة، الحاجة رنا إسماعيل. نستحضرها لا من باب الوفاء الشخصي فحسب، بل لأن بعض الأشخاص يصبح حضورهم جزءاً من ذاكرة المؤسسة وثقافتها وطريقتها في العمل والتفكير. لقد كان للحاجة رنا عطاء كبير في بناء ثقافة تؤمن بأن التطوير ليس مشروعاً عابراً، بل ممارسة مؤسسية مستمرة. لكن الوفاء الحقيقي لمن ترك أثراً لا يكون فقط باستحضار ما أنجزه، بل بالقدرة على البناء عليه، وهذا يفرض طبعا، تحية الفريق القيادي في المبرّات الذي استطاع، في مرحلة لم تكن سهلة، أن يصون ما تراكم، وأن يبني على عطاء الحاجة رنا، وأن يستمر في تطوير المؤسسة، محافظاً في الوقت نفسه على الرؤية والرسالة اللتين وضعهما سماحة السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله".
وتابع: "الورقة المفاهيمية للمؤتمر لا تتحدث عن التطوير باعتباره مجرد تحديث للأدوات أو استجابة عشوائية للتقنيات الجديدة، بل عن مسار تحولي يحافظ في مركزه على الإنسان الرسالي، ويسأل كيف تستطيع المؤسسة التربوية أن تتعلم وتتكيّف وتتجدد باستمرار من دون أن تفقد غايتها؟. وهذا الطرح يلتقي إلى حد بعيد مع النقاش والاسس الذي تحاول معالي الوزيرة أن تفتحه وتكرسه اليوم داخل وزارة التربية حول مستقبل التعليم في لبنان".
ولفت إلى أن: "الإصلاح التربوي لا يعني فقط إدخال التكنولوجيا إلى الصفوف، أو تعديل المناهج، أو تنفيذ مشاريع متفرقة. هذه كلها ضرورية، لكنها وحدها لا تصنع تحولاً تربوياً. التحول الحقيقي يفرض أن نعيد طرح الأسئلة الأساسية: ما وظيفة المدرسة اليوم، وما المساحات التي تؤمنها لأطفالنا؟ ما الذي نريد فعلاً أن يكتسبه الطالب؟ أي معلم نحتاج؟ أي قيادة مدرسية نريد، وأي نموذج عن القيادة نرسم لأطفالنا؟ أي مواطن نريد أن تساهم التربية في تكوينه؟ وأي خطاب نطلق في فضائنا المعيشي اليومي؟".
وقال: "هنا تستطيع مؤسسات مثل المبرّات، بما راكمته من خبرة، أن تكون شريكاً ليس فقط في تعليم طلابها، بل أيضاً في إنتاج معرفة تربوية يستفيد منها لبنان كله، وهذا يقودني إلى إحدى أهم العبارات في رؤية معالي الوزيرة لهذا المؤتمر: أن ننتقل من منطق مؤسستي ومدرستي إلى منطق منظومتنا التربوية. وأسمح لنفسي أن آخذ هذه الفكرة خطوة أبعد، لأن هذه ليست أزمة التربية وحدها، بل واحدة من أزمات لبنان.
لقد دفعنا ثمناً كبيراً لأننا اعتدنا التفكير بمنطق طائفتي ومنطقتي ومؤسستي وجماعتي ومصلحتي الشخصية، قبل أن نفكر بمنطق الدولة والمصلحة العامة. ولا يمكن للتربية أن تعيد إنتاج هذا المنطق ثم ننتظر من السياسة أن تنتج لنا دولة".
*المدير العام*
ألقى المدير العام لجمعية المبرّات الخيرية الدكتور محمد باقر فضل الله كلمة أكد فيها "أن التحوّل في التربية والتعليم لا يقتصر على تطوير المناهج والأدوات، بل يتطلب بناء رؤية متكاملة تنعكس في الممارسة اليومية داخل المؤسسات التربوية والرعائية، بما يسهم في بناء الإنسان الرسالي القادر على فهم عصره وامتلاك أدواته وتوجيهها لخدمة الإنسان والمجتمع."
وفي محور المناهج الجديدة، أشار الدكتور فضل الله إلى أن "المبرّات واكبت مسار إعداد المنهاج اللبناني المطوّر من موقع الشراكة، من خلال المشاركة الفاعلة لخبرائها في لجان الإعداد والاستفادة من خبرتها في المقاربة بالكفايات والتربية الدامجة". وشدّد على أن "نجاح تطبيق المناهج يبدأ من الفهم قبل التطبيق، عبر تهيئة المعلمين ورفع جاهزيتهم العلمية والمهنية، داعيًا إلى وضوح خطة وزارة التربية ومراحل التنفيذ بما يضمن حسن الإعداد وتكافؤ الفرص وعدالة التعلّم". وأوضح أن "المبرّات اتخذت خطوات استباقية بإطلاق التدريب التأسيسي للكوادر التربوية بالتعاون مع جامعة العلوم والآداب اللبناني (USAL)، داعيًا مدارسها إلى مواكبة المناهج الجديدة بجدية واستمرارية، وتهيئة البيئة المدرسية المناسبة ومنح المعلمين مساحة للفهم والتجريب والمراجعة والتطوير.
وفي ما يتعلق بـالعمل الرعائي، أكد أن "احتضان الأبناء، ولا سيما الأيتام وذوي الحاجات الخاصة، ومرافقة نموهم وتكوينهم، يشكّل جوهرًا أساسيًا من رسالة المبرّات، وصولًا إلى تمكينهم من الاستقلالية والاعتماد على النفس". ولفت إلى أن "تداعيات
الحرب تفرض مسؤولية مضاعفة تجاه هؤلاء الأبناء، باعتبارهم أمانة ما بعد الحرب، ما يستدعي التزامًا طويل الأمد لتأمين التعليم والرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية ومواكبتهم حتى بناء مستقبلهم". كما شدّد على "أهمية الرعاية التحويلية التي تساعد الأبناء على تجاوز الفقد وآثار الحرب نحو حياة أكثر استقرارًا وثقة"، داعيًا العاملين في المؤسسات الرعائية إلى تجديد ممارساتهم وتعزيز الاحتواء العاطفي والإصغاء وفتح مساحات للتعبير والمشاركة.
وعلى صعيد الذكاء الاصطناعي والقيم والإرشاد، دعا الدكتور فضل الله إلى "مقاربة هذه التقنية من منظور قيمي وتربوي يحمي التفكير البشري، ويعزّز الأمانة العلمية وقدرة المتعلم على التفكير والعمل المستقل". وأكد أن "تمكين المعلم من خلال التدريب الجاد يشكّل شرطًا أساسيًا لتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة داخل الصف، بحيث تكون التقنية وسيلة لتعزيز البحث والتعلّم لا بديلًا عن التفكير". كما شدّد على "ضرورة موازنة العالم الافتراضي بتعزيز التفاعل الواقعي عبر الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والكشفية والعمل التطوعي"، مؤكدًا أن "التعلم العاطفي الاجتماعي بات ركيزة مؤسسية أساسية تساعد المتعلمين على فهم انفعالاتهم وإدارتها وبناء علاقات سليمة والتعامل مع الضغوط".
وفي إطار المؤسسة التي نريدها في المسار التحويلي، شدّد المدير العام على "أهمية استثمار خبرة المبرّات المتراكمة في الدمج والتربية المختصة لتعزيز التدخل المبكر واكتشاف الحواجز التي قد تعيق تعلم التلميذ، والانتقال من معالجة التعثر بعد وقوعه إلى اكتشاف الاحتياجات منذ بداياتها". وأكد "أهمية اعتماد التصميم الشامل للتعلم ، بما يوفّر بيئة صفية تستوعب اختلاف المتعلمين وتتيح مسارات متعددة للفهم والمشاركة والتعبير". كما دعا إلى "تطوير برامج مستدامة لرعاية الموهوبين واكتشاف قدراتهم وتنميتها، بما يشمل التلامذة الذين قد تختبئ مواهبهم خلف صعوبات التعلم، مؤكدًا أهمية الشراكة المنهجية مع الأهل، واعتبار تطور المتعلم واستقلاليته وبلوغه أقصى إمكاناته المعيار الحقيقي لنجاح العملية التربوية، بما يساهم في بناء جيل مبدع وقارئ وقادر على المنافسة في المحافل الوطنية والعربية".
وفي حديثه عن جامعة العلوم والآداب اللبناني (USAL) ، أكد الدكتور فضل الله أن "الجامعة تشكّل امتدادًا للرسالة التربوية للمبرّات، وتسعى إلى بناء إنسان يجمع بين المتانة الأكاديمية والمسؤولية المجتمعية". وأشار إلى "أهمية مأسسة التعليم المدمج والرقمي والاستفادة من الخبرات التي راكمتها الجامعة خلال الأزمات، مع التأكيد على أن التعليم الحضوري يبقى أساسًا للتفاعل الجامعي الحقيقي". كما شدّد على "ضرورة تفعيل الشراكات الدولية وتحويلها إلى فرص فعلية للتبادل الأكاديمي والبحثي وتطوير الخبرات، إلى جانب توسيع الاختصاصات والبرامج بما يواكب طموحات الطلاب وحاجات سوق العمل، ويعزز دور الجامعة في التعليم العالي".
وقال: "اختبرت الجامعة جديتها خلال الحرب، حين فرضت الظروف على الطلاب صعوبة الوصول والاستمرار، فانتقلت إلى التعليم المدمج وغير المتزامن، وأتاحت المواد والمحاضرات عبر منصتها الإلكترونية، بما مكّن الطلاب من متابعة مسارهم الجامعي. كما أقامت شراكات مع عدد من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في تركيا وفرنسا وأرمينيا، وانضمت إلى الوكالة الجامعية للفرنكوفونية (AUF) واتحاد الجامعات العربية، بما عزز فرص التعاون الأكاديمي والبحثي وتبادل الخبرات، وفتح المجال أمام تطوير البرامج والاختصاصات".
وأعرب الدكتور فضل الله عن أمله في "تعاون وزارة التربية والتعليم العالي للإسراع في البتّ بالاختصاصات الجديدة وبرامج الماستر، وإنجاز ملفاتها، بما يتيح للجامعة التوسع بما يواكب طموحات طلابها، ويعزز حضورها وموقعها المميز في قطاع التعليم العالي في لبنان".
وعن تداعيات الحرب، أشار المدير العام إلى أن "المبرّات بادرت إلى الاستجابة الإنسانية الفورية، ففتحت مؤسساتها أمام العائلات النازحة وقدمت خدمات الإيواء والغذاء والصحة والدعم النفسي والاجتماعي، بالتوازي مع حماية حق أكثر من 23 ألف تلميذ في التعلم عبر اعتماد مسارات تعليمية مرنة جمعت بين التعليم المتزامن وغير المتزامن، بما حافظ على ارتباط الغالبية العظمى من التلامذة بالتعليم ومكّنهم من إنجاز البرنامج الدراسي"
وأكد أن "الحرب أظهرت مرونة المؤسسة وقدرتها على تغيير وظائفها لخدمة الإنسان حين تضيق الخيارات، فتحولت المدارس والمؤسسات إلى مساحات آمنة للنازحين ومراكز للاستجابة للاحتياجات الإنسانية". وفي المقابل، شدّد على أن "مرحلة ما بعد الحرب تتطلب إدارة مسؤولة للنهوض وإعادة البناء"، مؤكدًا "العزم على إعادة بناء الصروح التي دمّرتها الحرب لتعود إلى أداء دورها في التعليم والرعاية والصحة وخدمة الإنسان".
وفي ختام كلمته، دعا فضل الله إلى "الانتقال من الرؤية إلى الممارسة، بحيث تتحول التوجهات والمشاريع والإصلاحات التربوية إلى واقع يومي يلمسه التلامذة في تعلمهم وعلاقاتهم وتجاربهم، بما يحقق الهدف الأساس المتمثل في بناء إنسان رسالي يعرف عصره، ويمتلك أدواته، وتوجّه قيمه وخياراته ومسؤوليته تجاه مجتمعه". كما أكد "أهمية إدارة مرحلة النهوض والبناء بروح المسؤولية، وتجاوز تداعيات المرحلة، واستخلاص الدروس منها، وتوجيه البوصلة نحو المستقبل، بما يحوّل التحديات إلى فرص للنهوض ومواصلة رسالة المبرّات التربوية والرعائية والإنسانية".
*العلّامة السيد علي فضل الله*
بدوره، أكد رئيس جمعية المبرّات الخيرية سماحة العلّامة السيد علي فضل الله أن "الهدف الذي لأجله كانت هذه المؤسسات ووجدت هو بناء الإنسان القادر على القيام بمسؤولياته تجاه ربه وتجاه نفسه وتجاه مجتمعه، والنهوض بهذا الوطن الذي نطمح ونريد ألّا يكون وطنًا عاديًا، بل وطن الرسالة".
شكرالسيد فضل الله كل الذين أسهموا في التحضير للمؤتمر والمشاركين فيه ومن قدموا إسهامات العمل فيه، متوجهًا بالشكر إلى الحاضرين، ولا سيما من قدموا من أماكن بعيدة وتكبّدوا عناء السفر.
وأشار إلى أنه "رغم الظروف التي يعاني منها لبنان، وما يحصل في الجنوب العزيز، وما تلقيه هذه الظروف من ثقل على الجميع، فإنه يأمل أن يخرج المؤتمر بنتائج تسهم في تطوير الأداء التربوي والتعليمي، وتصُبّ في تحقيق الهدف الذي لأجله كانت هذه المؤسسات ووجدت".
ولفت إلى أن ذلك "يحتاج إلى بذل الجهود في ظل التحديات التي تواجه المجتمع، سواء بفعل العدوان الإسرائيلي على هذا الوطن بكل تداعياته الأمنية وكلفته الباهظة على لبنان، أو بفعل الآثار السلبية التي تتركها الأجواء المحيطة، وما يُشهد عبر وسائل الإعلام والتواصل، إضافة إلى الظروف الاقتصادية والنفسية التي تنعكس على المجتمع والأبناء، وأن كل ذلك لا يدعو إلى الانكفاء، بل إلى الصبر وتفعيل الدور، وتطوير الأساليب، وتعزيز التعاون، مؤكدًا: "لقد قلناها سابقًا ونقولها اليوم: إننا وجدنا
من رحم هذه الأزمات، وكنا دائمًا نعمل وسطها، ولكنها لم تسقطنا أو نضعف أمامها، بل كنا نزداد قوة، ونشتد عندها، مستعينين على ذلك بإيماننا وبالثقة بالله ووعده".
وفي ما يتصل بعنوان المؤتمر، رأى السيد فضل الله أنه "يحمل في مضمونه سؤالًا ينبغي الإجابة عنه: أي إنسان نتطلع إلى بنائه؟ وماذا نريد من وراء عملنا التربوي والتعليمي؟ وكيف نقيس مدى نجاحنا في أداء دورنا على هذا الصعيد؟ وأن أداء الدور التربوي لا ينبغي أن يقاس فقط بالتقنيات التي نوفرها، ولا بما نقدمه من مناهج، ولا بعدد الناجحين، بل بمدى قدرتنا على بناء الإنسان الذي نطمح إليه، مشددًا على أن هذا الأمر ينبغي أن تكون له الأولوية، لأنه «ليس خيارًا، لأنه يصب في صلب رسالتنا".
ولفت إلى أن "العالم اليوم لم يعد من الصعب فيه الوصول إلى المعرفة بفعل توفر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والمعرفية التي أصبحت في متناول الجميع"، معتبرًا أن "دور المؤسسات التربوية لم يعد أن تقدم المعرفة فقط، بل أن تزرع القيم في الإنسان، وتكتشف الموهبة التي يمتلكها، وتعلّمه كيف يفكر وكيف يختار وعلى أي أساس يختار، وكيف يجعل علمه طريقًا لخدمة الإنسان والمجتمع وبناء وطنه".
وقال إن "التحول الحقيقي الذي نريده وندعو إليه هو أن ننتقل من التلقين إلى التعلم، ومن الحفظ إلى الفهم، ومن تعليم القيم إلى بناء الإرادة، ومن التنافس المعرفي إلى التعاون".
وحول مفهوم الإنسان الرسالي، أوضح فضل الله أن "المقصود هو الإنسان الذي يرى أن لحياته غاية وهدفًا ورسالة تتجاوز مصالحه الشخصية، ويجعل مبادئه وقيمه محورًا لتصرفاته، ويشعر بمسؤوليته تجاه ربه ومجتمعه ووطنه".
وأضاف أن الإنسان الرسالي لا يسأل فقط: ماذا أستفيد؟ بل ما هي مسؤوليتي؟ وماذا عليّ القيام به؟ وما هو الأثر الذي أتركه في حياة الآخرين؟ وكيف أجعلهم أفضل بوجودي؟ ولا يكتفي بانتقاد الواقع وإثارة الإشكالات حوله، بل يتحمل المسؤولية تجاهه، ولا يتسرع في قبول كل ما يُعرض عليه أو يُدعى إليه، بل يفكر جيدًا وبناءً على هذا الأساس يتخذ قراراته ومواقفه وما يلتزم به. كما أنه يحرص على العلم، ولكنه لا يفصله عن الأخلاق أو يجعله على حسابها، كما يعتز بهويته وقيمه وما يؤمن به، ولكنه لا يتعصب لها، بل ينفتح على الآخر المختلف عنه، بعقل واعٍ قادر على الحوار والتمييز والاختيار".
وفي حديثه عن مسؤولية المربين، شدد فضل الله على أن "الدور المنتظر منهم كبير، والمسؤولية الملقاة على عاتقهم ثقيلة، داعيًا إلى أن يبنوا أنفسهم جيدًا ليكونوا قدوة لطلابهم، لأن المعلم والمربي الناجح هو من لا يعلم تلامذته فقط، بل يكون قدوة لهم".
وقال إن الطالب قد ينسى كثيرًا ما قلناه، ولكنه لا ينسى كيف عاملناه، قد ينسى درسًا شرحناه، لكنه لا ينسى كلمة صدرت منا أعادت إليه الثقة بنفسه، مشيرًا إلى أن كلمة أو موقفًا من مربٍّ صادق قد يكون سببًا في تغيير حياة إنسان.
ودعا إلى "النظر إلى كل طالب باعتباره طبيب المستقبل، والمهندس، والمعلم، والمدير، والمسؤول، وصاحب القرار، وصانع الخير في المجتمع، والعمل على أن يُطبع فيه ما يُراد أن يكون عليه عندما يتولى أيًا من هذه المواقع أو يتصدر المسؤولية".
وفي هذا السياق، أكد فضل الله "ضرورة أن تصبح المؤسسات التربوية مساحات لبناء الإنسان، وصفوفًا يتعلم فيها الطلاب كيف يسألون، وكيف يحاورون، وكيف يختلفون باحترام، وكيف يعملون مع الآخرين"، كما دعا إلى "مؤسسات لا تعاقب على الخطأ
فقط، بل تعلم الطالب كيف يتعلم من أخطائه، ولا تبحث عن الطالب المتفوق فقط، بل تكتشف الطالب الذي يملك موهبة ولم يكتشف موهبته، وتعمل على جعل من لا يملك تفوقًا أن يتفوق".
ولفت إلى أن "المؤسسات التربوية لا ينبغي أن تكتفي بملء عقل الطالب بالمعلومات، بل تفتح أمامه الباب ليسأل: ماذا سأفعل بما تعلمت؟ وكيف أحول ما تعلمته إلى خدمة لمجتمعي؟، مؤكدًا أن العلم قد يكون خطرًا إن لم يجتمع مع الإيمان ويمتزج بالقيم التي جاء الدين ليوقظها في الإنسان ويجعلها هدفًا، مستشهدًا بالقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وأن المسار التحولي يبدأ من كل واحد، من طريقة الدخول إلى الصف، ونظرة المربي إلى الطالب، واللغة التي يخاطبه بها، ومساحة السؤال التي يتيحها له، ومن المحبة والحرص اللذين يبديهما له، ومن القيم والأخلاق التي يزوده بها".
وأضاف إن "العاملين في المجال التربوي لا يدرّسون جيلًا، بل يشاركون في صناعة المستقبل، داعيًا إلى اعتبار كل طالب يمر بين أيديهم أمانة، ومشروع إنسان، وبناءً لمستقبل نريده أفضل".
ودعا إلى "جعل المؤسسات أماكن لا يتخرج منها الطالب حاملًا شهادة فقط، بل يملك بوصلة يميز بها الحق من الباطل، والخير من الشر، والمسؤولية من الأنانية؛ يفكر بعقله، ويهتدي بقيمه، ويعمل بإتقان، ويحمل المسؤولية، ويبادر إلى الخير، ويجعل عمله وسيلة لإعمار الحياة وخدمة الإنسان".
وفي ختام كلمته، أكد فضل الله ثقته بالعاملين في المؤسسات التربوية، مشددًا على ضرورة المحافظة، رغم كل الظروف الصعبة، على التميز الذي أُخذ على عاتق الجميع، ومؤكدًا أن الجمعية ستقدّر تعبهم وجهدهم وتضحياتهم وعملهم في ظل الظروف الأمنية والمعيشية، وستبقى إلى جانبهم سندًا وقوة لهم.
كما وجّه الشكر إلى العاملين على ما قدموه، والذي لم يقف عند حدود العمل، بل عبّروا من خلاله عن إنسانيتهم وإيمانهم، عندما كانوا عونًا لمن اضطرّتهم ظروف الحرب إلى مغادرة بيوتهم أو عانوا وهم فيها.
وتقدّم في الختام بالعزاء إلى كل من فقد أبًا أو أخًا أو أمًا أو ابنًا أو عزيزًا، سائلًا المولى عز وجل أن يجعلهم في رضوانه وأن يحفظ الجميع ويرعاهم في قادم الأيام، داعيًا إلى أن تكون السنة القادمة أفضل من ماضيها، وأن لا تخيب الآمال.
*ندوة "إعادة هندسة التربية: الإنسان، التقنية، والأثر"*
بعد ذلك عقدت ندوة بعنوان "إعادة هندسة التربية: الإنسان، التقنية، والأثر"، أدارها نائب رئيس جامعة العلوم والآداب اللبنانية (USAL) للشؤون الإدارية والمالية الدكتور ياسر فضل الله، وتحدث فيها كل من البروفيسور نعمة صفا (أستاذ في جامعة القديس يوسف – كلية العلوم التربوية)، حول إعادة تشكيل هوية المعلم المهنية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ والبروفيسور كريستوفر ديدي (أستاذ في جامعة هارفارد – كلية الدراسات العليا للتربية)، حول الاستثمار في الذات أولًا: المقاربة الإنسانية لتوظيف الذكاء الاصطناعي؛ والدكتورة غنوة عيتاني (استشارية تربوية ومدرّبة محترفة في النمو الشخصي والمهني) حول من الامتثال إلى الفاعلية: كيف تبني المنظومة التربوية إنسانًا رساليًا؛ والدكتورة ليلى كاديوال (أستاذة مساعدة في معهد التربية – جامعة كوليدج لندن) حول التحديات العالمية المعاصرة والمعرفة المسؤولة.






