
ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان يعرف ما يريد وكيفية الوصول إليه. فهو درس جيدا دروس تجارب المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها. ووجد أن مؤسس المملكة جلالة الملك عبد العزيز آل سعود كان صاحب رؤية بعيدة عندما أدرج تحالفا مبكرا مع الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت في ١٤ شباط من العام ١٩٤٥ على متن المدمرة الأميركية يو.أس.إي. كوينسي في البحيرة المرة الكبرى في قناة السويس. ذلك أن واشنطن لها المكانة الأولى في صياغات الوضع الدولي والاقليمي بديلا عن بريطانيا التي كانت لا تغيب عنها الشمس عبر زعامتها لدول الكومنولث.
عرف ولي العهد السعودي أولا كيف يستبعد معارضيه في السلطة من العائلة الحاكمة وكيف يدجن مراكز النفوذ المالية وكيف يراهن على ظاهرة الشباب والنخب السعودية التي درست في الخارج وتحديدا في الولايات المتحدة الأميركية وتعرفّت بعمق على العقل الغربي وعلى ضرورات نقل المملكة إلى حداثة فعلية غير محكومة بغيبيّات فكرية أو دينية أو بثقافة ذكورية تلغي دور المرأة وتحوّلها إلى مجرد متاع وسلعة، وهكذا أخذ موقفا حاسما من التطرف الديني ومن الدور السلبي الذي كان يلعبه من تمّ تعريفهم "بالمطاوعة".
محمد بن سلمان شخصية واضحة وحاسمة وغير متردد في ما يذهب إليه. أما والده المحنك والخبير وصاحب التجربة الكبيرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز فإنه يدعمه من بعيد ويشكّل له شبكة أمان ملكيّة في العائلة وفي العلاقات مع شبكة المدن والأطراف وشيوخ القبائل.
من هنا الأسس التقليدية التي قامت عليها العلاقات الأميركية-السعودية بدت متأرجحة في الصمود أمام التحوّلات الاقليمية وتبدّل الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية إضافة إلى انتهاء المنافسة الايديولوجية مع الشيوعية والجيوسياسية مع الاتحاد السوفياتي الذي تمّ ترحيله على ما يقول مركز بابل للدراسات المستقبلية. وهذه الناحية على ما يبدو توقّف عندها طويلا الأمير محمد بن سلمان الذي أدرك طبيعة التحوّلات فسعى إلى تجديد التحالف معها وفق آليات عصرية تراعي احتياجات الطرفين وشملت التفاهمات المقترحة توقيع اتفاقيات دفاعية وربط السير بالاتفاقات الابراهيمية بإقامة الدولة الفلسطينية.
شبكة الأمان الأميركية للمملكة العربية السعودية التي عززها ولي العهد في عهد الرئيسين بايدن وخلفه دونالد ترامب تعرّضت إلى "شروخ" بالحرب الاسرائيلية على غزة وبالهجوم الاسرائيلي على العاصمة القطرية والذي استهدف اجتماعا لوفد حركة حماس المفاوض. وكان ذلك أول هجوم اسرائيلي مباشر تتعرض له عاصمة دولة عربية خليجية. وهو هجوم يحمل رسالة اسرائيلية واضحة أن المعادلة الأمنية الجديدة في المنطقة هي أن اسرائيل هي الوكيل للمصالح الأميركية بما يسمح لواشنطن بتقليص انخراطها المباشر وملء الفراغ وقيادة تحالف اقليمي معها. وهكذا مضت المملكة العربية السعودية في ١٧ أيلول إلى توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي مع باكستان النووية. ومعنى هذا الأمر هو الاعتراض السعودي على تفرّد اسرائيل بالمنطقة.
التوجّه الاسرائيلي إلى التفرّد بالمنطقة دفع قيام محور من تركيا ومصر وباكستان وانضمت إليه السعودية دون أن يأخذ شكل "تحالف استراتيجي" مثل الذي كرّسه اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا والذي كان عنوانه الأساسي تعزيز الدفاع المشترك في مواجهة الأعداء. وهذا الاتفاق تزامن مع وضع متوتر في المنطقة وتصعيد عسكري وسياسي أميركي وايراني وسياسات توسّع عسكري اسرائيلي في غزة واعتماد سياسات التهجير القسري والعقاب الجماعي وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية.
تنويع الحمايات الأمنية السعودية وربطها بشراكات مع روسيا والصين وتوجّه إلى تطبيع العلاقات مع الجار الايراني عبر الحليفين الباكستاني والتركي يتم بدفع من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للتكيّف مع الظروف الراهنة ولرسم سياسة مستقبلية تحمي خياراته في التنويع الاقتصادي وفي خطته للمملكة بحيث لا تكون المملكة "رهينة" لسوق النفط فقط. ومثل هذا التوجه السعودي يمنح المملكة العربية السعودية أن تكون عنصر الاستقطاب العروبي إلى جانب مصر والنخب العربية مع صعود فكرة القوميات من جديد. أي أن هناك دورا مرتقبا للرياض في الفضاء العربي الواسع بدأته في مجالات متعددة سواء في المسرح والسينما والشعر والندوات وفي مجال الأزياء وفي التهيؤ لتكون اللاعب العربي الأساسي في سوريا ولبنان عبر "البوابة التركية" التي تعتمدها واشنطن. وتظهير مثل هذا الدور السعودي يبدأ في الظهور بعد الانتخابات الأميركية والاسرائيلية. فعندها لا تستطيع أي حكومة اسرائيلية أن تعترض على المقاربة الأميركية للحل في لبنان. وهي مقاربة المملكة العربية السعودية شريكة بها.
ختاما وسّع ولي العهد السعودي من شبكات الأمن للمملكة وإنما بقيت اليمن ثغرة أساسية. ومعالجة هذه الثغرة حتى لا تكون إشغالا للمملكة من جهات مختلفة تفترض تطبيعا للعلاقات بين السعودية وايران عبر الوسيطين الشريكين للمملكة الباكستاني والتركي الذين تجمعهما علاقات وثيقة بطهران و"بحلف مكة". وبالتأكيد مثل هذه المقاربة واردة في الحسابات البعيدة.
عبد الهادي محفوظ


