
بقلم الدكتور محمد كامل الرفاعي.
في عشرينيات القرن الماضي، وعقب الحرب الأهلية في ايرلندا، أدركت القوى المتنافسة أن استقرار الدولة لا يتحقق إلا حين تحيَّد إدارة الشؤون اليومية للمواطنين وبناء المؤسسات عن التجاذبات والحسابات الفئوية. وفي منتصف القرن، يتكرر المشهد ذاته؛ فعلى أثر الدمار الشامل الذي خلفته الحرب العالمية الثانية في أوروبا، اتفقت نخبٌ متخاصمة أيديولوجياً وسياسياً—من بلجيكا وفرنسا إلى ألمانيا والنمسا—على أن التعافي والانبعاث من بين الركام لا يبدآن من الاستقطاب، بل من حماية المرافق الحيوية والإدارة العامة من أتون الصراعات.
إن هذه التجارب تخبرنا بحقيقة إنسانية: أن الدول لا تسقط فقط بضراوة الحروب وأهوال النزاعات، بل تنهار وتتلاشى حين تعجز نخبها عن حماية أمن مجتمعاتها، وتفشل في الفصل بين صخب السجال السياسي وواجب توفير مقومات الحياة والكرامة للناس.
واليوم، إذ ننصت إلى خريطة التقارير الميدانية والواقع السياسي والدبلوماسي، ونستعرض أحدث البيانات الصادرة عن مراكز الرصد الدولي والمؤسسات الأممية، تلك التي تتابع مجريات الحرب والمواجهات الممتدة التي تعصف بلبنان والمنطقة منذ ثلاث سنوات، نجد أنفسنا أمام واقع إنساني ومؤسسي يتجاوز السجالات التقليدية. لقد قرأنا في التقييمات الاقتصادية والاجتماعية، وسمعنا في الإحاطات الموثوقة، أرقاماً ووقائع تُجمع على أن المجتمع اللبناني بمختلف مكوناته يواجه مخاطر الانكشاف الشامل؛ حيث يرزح المواطنون تحت شلل إداري تجاوز 80% من مرافق الدولة العامة، وخسائر كبرى أصابت البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، يرافقها نزوح قسري أليم، واستنزاف للطاقات، وارتفاع حاد لخط الفقر الذي يتسع ليشمل كافة الفئات والمناطق دون استثناء.
إن هذه الوقائع والمعاناة المعيشية لم تعد مجرد أرقام تُحصى في النشرات، بل أضحت هي التقاطعات الحاكمة التي تضغط على مصير الفرد والمجتمع في آن واحد. إنها اللحظة الفاصلة التي تتقاطع فيها أهوال الحرب والمواجهات العسكرية مع الانهيار المالي والجمود المؤسساتي، لتضع الجميع، بمختلف توجهاتهم ومواقعهم، أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية جامعة.
غير أن الأكثر إيلاماً للرأي العام، هو النمط المعهود في التعاطي مع هذه التحديات الجسام. ففي الوقت الذي تتطلب فيه الأزمة أعلى درجات التنسيق والتخطيط الإنقاذي الحيادي، يستمر المشهد السياسي في إنتاج ذات الأدوات: تغليب السجالات الإعلامية المتبادلة، وتحويل المنصات الرسمية والتشريعية إلى ساحات لتصفية الحسابات بدلاً من جعلها غرف عمليات لإدارة الأزمة وحماية العيش المشترك.
وهنا يكون الخطاب لجميع صُنّاع القرار والقوى الفاعلة على اختلاف رؤاها: إن المصلحة الوطنية الجامعة، ومصلحة كل طرف في هذا الوطن على حد سواء، تستدعي بالضرورة التعاطي الموضوعي والمباشر مع هذه الوقائع.
فالاستمرار في تفريغ المؤسسات الجامدة من مضمونها الوظيفي، والتعامل مع الأزمات المصيرية بمنطق المغالبة أو تسجيل النقاط السياسية، لن يحقق استقراراً لأحد، بل سيزيد من هشاشة البنية الوطنية التي ينضوي تحتها الجميع. إن العبور بلبنان من هذه المرحلة القاسية يتطلب الانتقال من إدارة الخصومات إلى منطق حماية الدولة وتفعيل مؤسساتها كحاضنة لجميع أبنائها.
إن استعادة معنى المؤسسات تبدأ من نقطة جوهرية محايدة: أن تصبح آلام الناس والأرقام والوقائع الحقيقية هي المرجعية التي تقود أجندة النقاش العام. فاللبنانيون جميعاً، الذين يواجهون ظروف الحرب وضغوط النزوح وتراجع الخدمات الأساسية، لم يعودوا يملكون القدرة ولا الرفاهية للاستغراق في سجالات لا تغيّر من واقعهم شيئاً. ما يحتاجه لبنان اليوم هو عقلانية إدارية، واستراتيجيات ملموسة للانتعاش المؤسسي، ولغة حوار متزنة تتجاوز الاصطفافات، وتتخذ من حماية المجتمع وإعادة بناء إدارة كفؤة هدفها الأول والأخير.



