ساعة الصفر: حين يصبح الإنتظار وطناً

ساعة الصفر: حين يصبح الإنتظار وطناً.

ب✍️محمد الجوهري.

ناشط وكاتب سياسي.

تحت سماءٍ مثقلةٍ بالترقّب، تتراجع التفاصيل الإنسانية الصغيرة أمام جحافل الحديد والنار.

خلف أرقام الحشود وإحصاءات الأساطيل التي تمخر عباب البحر، تخفق قلوب أمهاتٍ يراقبن الأفق بوجل، ويحبس آباءٌ أنفاسهم مع كل هدير طائرةٍ تعبر فوق السطوح.

لم تعد التهديدات بمحو المدن أو إغلاق المضائق خطاباتٍ جافة في أروقة السياسة، بل صارت كوابيس يومية تقضّ مضاجع العائلات، من ضفاف هرمز إلى حارات بيروت والجنوب، وصولاً إلى مدنٍ آمنة باتت منشآتها الحيوية رهينة النيران. إنها جغرافيا الخوف، تعزل المنطقة وتحوّل سماءها إلى سقفٍ رماديٍّ خالٍ من الطيور والمسافرين.

في بيتٍ ما، تملأ أمٌّ خزانات الماء تحسباً لانقطاعٍ لا تعرف موعده، وتعيد ترتيب حقيبةٍ صغيرة عند الباب: أوراق الهوية، ودواء الجدّ، وسترة الطفل الدافئة.

يسألها ابنها إن كانوا مسافرين، فتجيبه بابتسامةٍ متعبة: «ربما».

وفي سوقٍ قريب، يقف بائع الخضار أمام صناديقه، يحسب ما سيشتريه غداً، ثم يتوقف في منتصف الحساب: أيُّ غدٍ؟ هذه المشاهد الصغيرة لا تظهر في نشرات الأخبار، لكنها المعركة الحقيقية التي تدور في الداخل، حيث يتعلّم الناس أن يعيشوا وأيديهم على حقائبهم وقلوبهم على الأبواب.

هنا، في هذه الرقعة المثقلة بالتاريخ والبارود، يقف الإنسان المعاصر أمام حالةٍ وجودية تُعرف بـ«ساعة الصفر»: تلك اللحظة الهلامية التي خرجت من غرف العمليات المغلقة بوصفها مصطلحاً عسكرياً، لتصير عدّاً تنازلياً مرعباً يعيد تشكيل وعي الشعوب وتفاصيل حياتها اليومية. وهي لا تأتي دفعةً واحدة، بل تقيم في الأيام كلها.

إن هذا الإنتظار المفروض ليس وقتاً ضائعاً ولا ترقباً عابراً، بل هو احتلالٌ صامت للوعي، يترك ملايين الأرواح معلّقةً بين مطرقة التحشيد البحري والجوي وسندان الإنهيار الإقتصادي، وتعيش حيواتها مؤجَّلةً إلى أجلٍ لا يملك مفاتيحه إلا من يجلسون خلف البحار.

يتجاوز مفهوم «ساعة الصفر» بعده العسكري ليصبح زمناً نفسياً يجثم على الصدور. فالوقت في الإنتظار لا يسير كما يسير في السلم؛ إنه يتمطّط ويتكسّر، وتتحول الأيام إلى حلقاتٍ من التوتر الثقيل الذي يستنزف الروح قبل الجسد.

يغدو التخطيط ترفاً، وتُؤجَّل الأعراس وقرارات السفر ومواعيد الدراسة، وتتقلّص الأحلام الكبرى إلى أمانيَ متواضعة: أن نبقى، أن ندفأ، أن نجتمع على مائدةٍ واحدة.

وفي هذا الإنكماش خسارةٌ لا تحصيها الإحصاءات، فالمجتمع الذي يتوقف عن التفكير في الغد يفقد شيئاً من قدرته على صناعته.

ويزيد الأمر قسوةً أن الإنسان هنا لا يواجه خطراً داهماً فحسب، بل يواجه فكرة العدم المعلّق: أن مصيره ووجوده كله قد يتبدلان بضغطة زرٍّ أو بأمرٍ عسكري يصدر من قارةٍ أخرى.

هذا الشرخ بين من يعيشون العاقبة ومن يقررون الخطوة يعمّق شعور الإغتراب، ويجعل المرء غريباً في وطنه، متفرجاً على قصةٍ هو بطلها دون أن يملك كتابة سطرٍ منها. وتحت صمتٍ دولي يرى في الأرواح بنوداً ثانوية في معادلات الردع وموازين النفوذ وأسواق الطاقة، يتحول البقاء نفسه إلى إنجازٍ يومي صغير، وإلى بطولةٍ لا تُمنح لها الأوسمة.

ومع ذلك، لا يخلو هذا المشهد من نورٍ عنيد. فالناس الذين يُطلب منهم أن يكونوا أرقاماً يصرّون على أن يكونوا بشراً: يخبزون، ويتزاورون، ويحتفلون بنجاح طالبٍ أو بولادة طفل، كأنهم يقولون للمجهول إن الحياة لا تُقاد بالمواعيد العسكرية.

هذه التفاصيل الصغيرة، كفنجان القهوة في الشرفة وضحكة الأطفال في الزقاق، ليست هروباً من الواقع، بل هي شكلٌ من أشكال المقاومة، لأنها ترفض أن تترك للخوف الكلمة الأخيرة.

إن فلسفة الإنتظار في زمن الحرب تعيد تعريف الصمود: فهو ليس القدرة على مواجهة العدو فحسب، بل القدرة على احتمال المجهول دون أن يفقد الإنسان إنسانيته. وبينما تتسابق السفن الحربية نحو الشواطئ، وتتهدد النيران عصب الإقتصاد، يبقى التحدي الأكبر للشعوب أن تحفظ جذوة الأمل حيّة وسط ركام التهديدات، وأن تقاوم طمس هويتها الإنسانية تحت وطأة آلةٍ عسكرية تسعى إلى تحويل المنطقة بأسرها إلى ساحة اختبارٍ مفتوحة.

وربما يكون الجواب الأصدق عن «ساعة الصفر» هو أن نذكّر العالم، ونذكّر أنفسنا، بأن خلف كل رقمٍ وجهاً، وخلف كل أسطولٍ بيتاً ينتظر، وأن الغد، مهما بدا بعيداً ومعلّقاً، لا يزال حقّاً لمن يعيشونه، لا لمن يحسبونه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى