
بقلم: راشد شاتيلا
من هجرة الكفاءات إلى تصدير المعرفة.
اعتاد العالم أن يبحث عن ثروة الدول تحت الأرض: النفط والغاز والمعادن. ثم جاءت مرحلة أصبحت فيها المصانع وسلاسل الإنتاج والموانئ جزءًا أساسيًا من القوة الاقتصادية. أما اليوم، فقد دخلنا مرحلة مختلفة؛ مرحلة يمكن فيها لفكرة، أو خوارزمية، أو تصميم، أو خدمة مهنية أن تعبر الحدود في ثوانٍ، وأن تتحول إلى قيمة اقتصادية من دون أن تتحرك قطعة واحدة من مكانها.
هنا تبرز قيمة اقتصاد المعرفة.
وبالنسبة إلى لبنان، لا ينبغي أن يكون هذا المفهوم مجرد مصطلح اقتصادي حديث. فالبلد الذي لا يملك وفرة من الموارد الطبيعية يمتلك موردًا آخر لا يقل أهمية: الإنسان المتعلم والقادر على العمل في بيئة دولية.
لكن المفارقة اللبنانية مؤلمة: لطالما امتلكنا الكفاءات، بينما عجزنا عن بناء الاقتصاد الذي يحتفظ بها.
وقد دفعت الأزمات الاقتصادية المتتالية كثيرًا من اللبنانيين إلى البحث عن فرص خارج البلاد. وفي الوقت نفسه، تظهر مؤشرات على أن الاقتصاد الرقمي اللبناني يمتلك قدرة على الصمود والنمو، مع انتشار للإنترنت بلغ 91.6% في مطلع 2025، ونمو في القدرات التصديرية للقطاع الرقمي وفق البنك الدولي. (World Bank)
لذلك، ربما حان الوقت لطرح السؤال بصورة مختلفة: ماذا لو لم تكن المشكلة في أن اللبناني يسافر إلى العالم، بل في أننا لم نكتشف بعد كيف نجعل العالم يأتي اقتصاديًا إلى لبنان؟
الهجرة ليست عيبًا، والانتشار اللبناني في العالم ليس خسارة في ذاته. فاللبنانيون استطاعوا، في بلدان مختلفة، أن يبنوا شركات ويقودوا مؤسسات ويعملوا في الجامعات والمستشفيات والأسواق العالمية.
لكن الاقتصاد الوطني يخسر شيئًا عندما يصبح النجاح المهني مرهونًا بمغادرة الوطن.
هناك فرق كبير بين أن يصدّر لبنان أبناءه وأن يصدّر اللبنانيون المعرفة التي ينتجونها.
المهندس يستطيع أن يعمل مع شركة في الخليج من بيروت. والمبرمج يستطيع أن يبني نظامًا لشركة أوروبية. والمصمم يستطيع أن يخدم مؤسسة في أميركا اللاتينية. والمحلل يستطيع أن يقدم خبرته لشركة آسيوية. والمختص في الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يطوّر حلولًا لأسواق لا يعرفها إلا من خلال شاشة حاسوبه.
في الاقتصاد التقليدي، يحتاج التصدير إلى طريق وميناء وسفينة.
أما في الاقتصاد الرقمي، فقد يصبح الإنسان نفسه نقطة الانطلاق، والإنترنت هو الطريق، والمعرفة هي السلعة.
وهنا تكمن إحدى الفرص النادرة أمام لبنان.
القوة اللبنانية المحتملة أكثر تواضعًا، لكنها أكثر واقعية: التعليم، اللغات، المهارات المهنية، القدرة على التواصل مع الأسواق العربية والغربية، وروح المبادرة لدى فئة واسعة من الشباب.
هذه الخطوات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها.
فالمطلوب ليس مشروعًا هنا ومنصة هناك، بل رؤية اقتصادية تجعل المعرفة قطاعًا تصديريًا قائمًا بذاته.
لبنان لا يحتاج إلى تقليد الدول الكبرى في كل شيء. يمكنه أن يبحث عن المجالات التي يستطيع فيها أن يكون منافسًا: البرمجيات، الخدمات الهندسية، التصميم، الاستشارات، التعليم الرقمي، الأمن السيبراني، تحليل البيانات، الخدمات المالية الرقمية، الصناعات الإبداعية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كان السؤال الاقتصادي القديم: ماذا نستطيع أن ننتج؟
أما السؤال الجديد فأصبح: ماذا نستطيع أن ننتج بالمعرفة والتكنولوجيا، ولمن نستطيع أن نبيعه؟
الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العمل، لكنه في الوقت نفسه يخفض كلفة الوصول إلى الأسواق ويرفع قدرة الشركات الصغيرة على تقديم خدمات كانت تحتاج سابقًا إلى مؤسسات كبيرة.
وهذه فرصة للبنان إذا أحسن التعامل معها.
لكن امتلاك جهاز كمبيوتر واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا يصنع اقتصادًا معرفيًا. المطلوب هو بناء الإنسان القادر على استخدام التكنولوجيا لإنتاج قيمة حقيقية.
وهذا يعني إعادة النظر في التعليم والتدريب: ليس فقط ماذا يحفظ الطالب، بل ماذا يستطيع أن يبني؛ ليس فقط الشهادة التي يحملها، بل المشكلة التي يستطيع حلها؛ وليس فقط الوظيفة التي يبحث عنها، بل الخدمة التي يستطيع بيعها في سوق عالمي.
وقد أشار البنك الدولي في مشروعه الخاص بالمهارات الرقمية في لبنان إلى أن الاقتصاد الرقمي يشهد نموًا وقدرة تصديرية، وأن العمل عن بُعد والوظائف الرقمية يفتحان مسارات جديدة للشباب، فيما تتجه شركات في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بصورة متزايدة نحو العمليات الموجهة للتصدير والاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لا يمكن أن نطلب من شاب أن يعمل مع العالم من لبنان، ثم نتركه أمام كهرباء غير مستقرة، وصعوبات في الدفع والتحويل، وتشريعات لا تواكب الاقتصاد الرقمي.
الاقتصاد الحديث يحتاج إلى بنية تحتية، لكن البنية التحتية لم تعد طرقًا وجسورًا فقط.
الإنترنت أصبح طريقًا اقتصاديًا. والبيانات أصبحت أصلًا. والأمن السيبراني أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي. والتشريع الرقمي أصبح شرطًا للاستثمار.
ولهذا فإن الإصلاح ، وتوسيع الإنترنت السريع، وتوفير الكهرباء المستقرة، وتحديث قوانين التجارة الإلكترونية والملكية الفكرية وحماية البيانات، وتسهيل تأسيس الشركات الرقمية، ليست ملفات تقنية هامشية.
إنها جزء من المعركة الاقتصادية نفسها.
والبنك الدولي يعتبر أن الاقتصاد الرقمي المزدهر قادر على خلق الوظائف وتعزيز الابتكار، ويضع تطوير القطاعات الرقمية الموجهة للتصدير، وتحسين البيئة التنظيمية، وبناء منظومات الشركات الناشئة والمهارات، ضمن العناصر الأساسية لهذه العملية.
لطالما احتاج لبنان إلى العملات الأجنبية لتمويل اقتصاده. وفي اقتصاد تقليدي، يرتبط ذلك بقدرة البلاد على تصدير السلع أو جذب السياح أو استقطاب الاستثمارات.
لكن الاقتصاد الرقمي يضيف بابًا جديدًا.
قد يجلس شاب في بيروت أمام حاسوبه، ويقدم في يوم واحد خدمة إلى شركة في دبي، واستشارة إلى مؤسسة في باريس، وتصميمًا إلى شركة ناشئة في لندن.
لا تحتاج هذه العمليات إلى شاحنة تعبر الحدود، ولا إلى مستودع، ولا إلى ميناء.
إنها صادرات غير مرئية، لكنها ذات قيمة حقيقية.
ولهذا يجب ألا ننظر إلى العامل الرقمي باعتباره مجرد موظف يعمل من المنزل. يمكن أن يكون في الواقع مصدّرًا للخدمات اللبنانية.
وهذه الفكرة يمكن أن تتوسع من الفرد إلى الشركة: شركة لبنانية توظف عشرات المهندسين والمصممين والمبرمجين، وتحصل على عقود من الخارج، وتدفع رواتب داخل لبنان، وتدخل العملات الأجنبية إلى الاقتصاد.
عندها يتحول الكمبيوتر من أداة شخصية إلى مرفأ اقتصادي صغير.
أهم ما في اقتصاد المعرفة أنه قد يقدم للبنان معادلة مختلفة عن المعادلات التي عرفها طوال عقود.
لسنا مضطرين إلى الاختيار دائمًا بين بقاء الإنسان في لبنان وفقدانه لفرصة اقتصادية، أو سفره إلى الخارج وحصوله على فرصة أفضل.
يمكن أن يصبح هناك خيار ثالث:
أن يبقى اللبناني في وطنه، وأن يعمل للعالم.
لا يعني ذلك إيقاف الهجرة، ولا بناء اقتصاد مغلق، ولا الوعد بأن التكنولوجيا ستحل جميع مشكلات لبنان. بل يعني اكتشاف نوع جديد من الارتباط بين الوطن والعالم، تكون فيه الحدود أقل قدرة على منع المعرفة من الحركة.
قد لا يستطيع لبنان أن ينافس الدول الصناعية الكبرى في حجم مصانعها.
لكنه يمتلك شيئًا آخر: عقولًا تستطيع أن تنتج قيمة لا تحتاج إلى شحنها في حاويات.
وهنا يجب أن تتغير نظرتنا إلى الشباب.
ليس الشاب اللبناني مجرد طالب يبحث عن وظيفة، ولا مجرد مهاجر محتمل، ولا مجرد شخص يرسل المال إلى عائلته من الخارج.
يمكن أن يكون وحدة إنتاج اقتصادية عابرة للحدود.
والرهان الحقيقي ليس أن نمنع العقول اللبنانية من السفر، بل أن نجعل لبنان قادرًا على الاستفادة من عقول أبنائه أينما كانوا، وأن نخلق في الداخل بيئة يستطيع فيها صاحب الكفاءة أن ينافس العالم من بيروت.
عندها لن تكون المعرفة مجرد ثروة فردية.
ستصبح ثروة وطنية.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كيف نوقف هجرة العقول؟
بل سؤالًا أكثر طموحًا:
كيف نجعل العقل اللبناني قادرًا على أن يصل إلى العالم، من دون أن يضطر الوطن إلى خسارته؟



