
بقلم المحامي عاطف حسن منصور
من أكثر المواقف التي يواجهها المحامي أن تعرض عليه قضية أو مشكلة قانونية، فيكون السؤال الأول من الموكل: من هو القاضي؟ من أي منطقة هو؟ وعلى أي جهة سياسية محسوب؟ ومن يمون عليه؟ ومن يستطيع التدخل لديه؟
والأخطر أن يأتيك بعضهم بثقة ليقول إن لديه علاقة بهذه المرجعية أو تلك، وإن الموضوع يمكن أن يحسم لمصلحته، وكأن القضية لم تعد مسألة حق وقانون وأدلة ومستندات، بل مسألة نفوذ وإتصالات وواسطة.
ربما كنت أكثر جرأة من غيري في الحديث علناً عن هذه الوقائع، لأنها من الأمور التي نواجهها في حياتنا المهنية. لكن الصمت حيال هذه العقلية لم يعد مقبولاً، لأنها تمس صورة العدالة وهيبة القضاء وثقة المواطن بالدولة.
إن السؤال عن القاضي من حيث كفاءته وإختصاصه وإجتهاده أمر مشروع، أما السؤال عن إنتمائه السياسي أو الطائفي، أو عن منطقته والمرجعية التي يمكن أن تتدخل لديه، فهو أمر مختلف تماماً. والأخطر أن يعتقد الموكل أن علاقاته قادرة على التأثير في مسار الدعوى أو نتيجتها.
بيد أن السؤال الذي يطرح: من أين نشأت هذه الثقافة؟
أرى أن المسؤولية لا تقع فقط على من يطرح السؤال، بل أيضاً على كل من جعله يعتقد أن الواسطة يمكن أن تكون طريقاً إلى الحكم، أو أوحى له بأن لكل قضية باباً سياسياً أو حزبياً أو طائفياً يجب طرقه.
من البديهي أن القضاء ليس جهة تفاوض ولا مؤسسة لتصفية الحسابات، بل سلطة تنظر في الدعاوى وفقاً للقانون والوقائع والأدلة، وتصدر أحكامها طبقاً للأصول، مع إتاحة طرق الطعن والمراجعة عند الإقتضاء، وقد وضعت آليات قانونية لمواجهة حالات إمتناع القاضي عن إحقاق الحق، كما تجوز مداعاة الدولة في الحالات التي حددها، ضماناً لحق الشخص في اللجوء إلى القضاء وممارسة حقوقه عن طريق القانون. لكن إستخدام النفوذ السياسي أو الحزبي أو الإجتماعي للتأثير في قضية قضائية يحتاج أيضاً إلى نقاش تشريعي جدي، وربما إلى نص جزائي واضح يجرم محاولة التأثير غير المشروع في القاضي أو في مسار الدعوى، متى كان القصد التأثير في سير العدالة أو في نتيجة القضية.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المحامي ليكون واضحاً مع موكله منذ البداية: أستطيع أن أدافع عن قضيتك بالحجة والقانون، وأن أتابع الإجراءات وأطعن في الحكم عند الإقتضاء، لكنني لا أستطيع أن أعدك بحكم لأنني أعرف القاضي أو أعرف من يعرفه.
كما أن القضاء مطالب بحماية إستقلاله بالشفافية ووضوح الإجراءات والحزم في مواجهة أي محاولة للتدخل أو الضغط، وأن تتوافر للقاضي الوسائل اللازمة لممارسة دوره وللإبلاغ عن مثل هذه المحاولات.
والإعلام مسؤول بدوره عن عدم تحويل الملفات القضائية إلى ساحات للإتهامات أو الإيحاء بأن وراء كل حكم جهة سياسية. فنقد الوقائع القانونية ونشرها حق مشروع، لكن الإتهامات المبالغ فيها غير المثبتة تضعف ثقة المواطن بالقضاء وتغذي ثقافة الواسطة.
لقد آن الأوان لأن تتغير المعادلة، إذ ليس السؤال: من هو القاضي؟ ومن وراءه؟ بل: ما هو القانون؟ وما هي الوقائع؟ وما هي الأدلة؟
كما ليس السؤال: من يستطيع أن يتدخل؟ بل: من يجرؤ على التدخل في عمل القضاء، ومن يحاسبه؟
فإذا أردنا قضاءً مستقلاً، لا يكفي أن نطالب القاضي بالإستقلال، بل يجب أن نمنع المجتمع كله من دفعه إلى غير الإستقلال. وإذا أردنا إستعادة ثقة المواطن بالقضاء، فعلينا أن نضع حداً للثقافة التي تقول إن لكل قضية مفتاحاً سياسياً أو طائفياً أو شخصياً.
صفوة القول، العدالة لا تكون عدالة إذا إحتاجت إلى واسطة، والقاضي لا يكون قاضياً إذا أصبح الحكم رهناً بنفوذ أحد.
وفي دولة القانون، لا ينبغي أن يخضع القاضي لأي تأثير أو نفوذ سياسي أو طائفي أو حزبي، بل ينبغي أن يكون القانون وحده سنده ومرجعه.



