التعليم في لبنان: عندما يصبح الحلم عبئاً

بقلم الدكتور محمد كامل الرفاعي.

أظهرت بيانات حديثة لليونيسف أن 46% من العائلات خفّضت إنفاقها على التعليم، فيما أفادت 17% بأن أطفالاً فيها توقفوا عن الذهاب إلى المدرسة.

لكن خلف هذه النسب حكايات بيوت تعيد ترتيب أولوياتها، وآباء يؤجلون أبسط احتياجاتهم، وأطفال قد يدفعون ثمن أزمة لم يصنعوها. ولم تعد الضغوط محصورة بالشرائح الأكثر فقراً؛ حتى الطبقة الوسطى باتت تجد نفسها أمام خيارات قاسية للحفاظ على مقاعد أبنائها.

والأخطر أن استمرار هذا الواقع، في ظل متطلبات العصر الحديث وتسارع ثورة الذكاء الاصطناعي وتطور المناهج التربوية العالمية، قد يحول التعليم تدريجيًا من فرصة حقيقية للصعود الاجتماعي إلى عبء يهدد الاستقرار المعيشي. فبينما يتجه العالم نحو مهارات المستقبل والتقنيات الذكية، يجد الطالب اللبناني نفسه مهدداً بالخروج من النظام التعليمي أساساً، مما ينذر بفجوة رقمية ومعرفية مضاعفة.

وعندما تضطر العائلة إلى الاختيار بين تحصيل أبنائها وحاجاتها الأساسية، تصبح الأزمة التعليمية مرآة لأزمة اجتماعية أعمق، وتتحول الفوارق الاقتصادية تدريجيًا إلى حواجز تحرم قطاعات واسعة من فرص التعلم المتقدم.

وهنا تبرز المسؤولية الوطنية بوضوح؛ فالتعليم ليس عبئًا فرديًا، بل حق عام يتطلب سياسة استراتيجية تضمن الحد الأدنى من تكافؤ الفرص. ولا يكفي التعامل مع الواقع عبر حلول ظرفية، بل المطلوب بناء شبكة حماية قادرة على الوصول إلى المتضررين، وتحديث البنى التحتية للمدارس، ودمج الذكاء الاصطناعي وتطوير المناهج لتتلاءم مع متطلبات العصر، إلى جانب تحسين أوضاع المعلمين وتوفير الوسائل الحديثة.

لذلك، فإن حماية قطاع التعليم في لبنان تتعلق بصون مستقبل الوطن بأكمله. فكل سنة تضيع اليوم، وكل فجوة تتقاطع مع التطور التكنولوجي السريع، تتحول غدًا إلى خسارة هيكلية يصعب تعويضها.

في النهاية، لا يمكن النظر إلى المدرسة ككلفة إضافية، بل كحزام نجاة وطني. ومسؤولية الجهات الرسمية والفاعلة لا تقتصر على إبقاء الأبواب مفتوحة، بل على ضمان ألا تتحول الظروف الاقتصادية أو التخلف التقني إلى حاجز يحرم طفلًا من حقه في مواكبة العصر.

فحين يعجز المجتمع عن تحمّل كلفة العلم، لا يخسر التلميذ مقعده فحسب، بل يفقد الوطن قدرته على النهوض. لذلك، فإن الاستثمار في التعليم وتطوير مناهجه ليس إنفاقًا مؤجل النتائج، بل حماية مباشرة للنسيج الاجتماعي ولقدرة لبنان على استعادة عافيته التنافسية.

فالمدرسة ليست مجرد مبنى، والكتاب ليس مجرد أداة، والمقعد الدراسي ليس مجرد مكان. خلف كل واحد منها طفل يرسم مستقبله، وعائلة تراهن على الغد. وحين يصبح ثمن هذا المستقبل أكبر من طاقة المجتمع، تصبح المبادرة حتمية قبل أن تتحول الأزمة المعيشية والتقنية إلى خسارة لجيل كامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى