شاتيلا: الأرض التي نتركها لأبنائنا

بقلم: راشد شاتيلا

حين يصبح التغيّر المناخي قضية إنسان

عندما يتغيّر المناخ… يتغيّر وجه الحياة

لم يعد التغيّر المناخي قصة بعيدة تُروى عن ذوبان الجليد في أماكن لا نعرفها، أو عن ارتفاع درجات الحرارة في قارات أخرى. لقد أصبح واقعًا يقترب من تفاصيل حياتنا اليومية: صيف أطول وأكثر قسوة، موجات حرّ متكررة، اضطراب في مواسم الأمطار، حرائق تهدد الغابات، وضغوط متزايدة على المياه والزراعة.

لكن أخطر ما في أزمة المناخ أنها لا تتوقف عند حدود البيئة.

فحين تتراجع المياه، يتأثر المزارع. وحين ترتفع درجات الحرارة، يتأثر العامل والمسن والطفل والمريض. وحين تتضرر المحاصيل، ترتفع كلفة الغذاء. وحين تضرب الكوارث المناطق الهشة، يدفع الفقراء الثمن الأكبر.

لهذا، فإن الدفاع عن البيئة ليس ترفًا أخضر نمارسه عندما تسمح الظروف. إنه دفاع عن الإنسان نفسه.

لبنان الصغير أمام أزمة كبيرة

قد يبدو لبنان بلدًا صغيرًا إلى درجة تجعل مساهمته في الانبعاثات العالمية محدودة، وهذا صحيح نسبيًا. لكن صغر مساهمته لا يعني صغر حجم المخاطر التي يتعرض لها.

فلبنان يقع في منطقة المتوسط، وهي من المناطق التي تواجه ضغوطًا مناخية متزايدة. وفي بلد يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وخدماتية ومؤسساتية، يمكن أن تتحول الصدمات المناخية إلى أزمات اجتماعية واقتصادية مضاعفة.

الجفاف لا يعني فقط نقص المياه؛ قد يعني خسارة موسم زراعي.

والحرائق لا تعني فقط فقدان الأشجار؛ بل خسارة تنوع بيولوجي ومصدر رزق وذاكرة طبيعية لمجتمعات بأكملها.

والتلوث لا يختفي عندما نبتعد عنه؛ إنه يعود إلينا عبر الهواء والمياه والغذاء.

لذلك، فإن مواجهة التغير المناخي في لبنان يجب ألا تُفهم باعتبارها ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد والصحة والأمن الغذائي والتنمية.

البيئة ليست قطاعًا إلى جانب القطاعات الأخرى؛ إنها المساحة التي تتحرك داخلها كل القطاعات.

الفقراء لا يملكون رفاهية الانتظار

أكثر ما يجعل التغير المناخي قضية إنسانية هو أنه لا يوزّع أضراره بالتساوي.

قد يستطيع المقتدر تركيب أنظمة طاقة أكثر كفاءة، أو شراء معدات تبريد، أو الانتقال إلى منطقة أكثر أمانًا، أو تأمين منزله ضد بعض المخاطر. أما الأسرة محدودة الدخل فقد لا تملك هذه الخيارات.

وهنا تظهر علاقة عميقة بين المناخ والعدالة الاجتماعية.

لا يجوز أن نتحدث عن الاستدامة وكأنها مجموعة من الشعارات الجميلة عن الأشجار والطاقة النظيفة فقط. الاستدامة الحقيقية تعني أن يحصل الإنسان على مياه آمنة، وغذاء كافٍ، وهواء نظيف، وطاقة يمكن الوصول إليها، ومسكن آمن، وبيئة لا تهدد صحته.

وحين نحمي الغابة، نحن لا نحمي الأشجار فقط.

وحين نحمي البحر، نحن لا نحمي الأسماك فقط.

وحين نحمي مصادر المياه، نحن لا نحمي موردًا طبيعيًا فحسب.

نحن نحمي حق الإنسان في الحياة الكريمة.

من حماية البيئة إلى بناء اقتصاد أخضر

يمكن للبنان أن ينظر إلى الأزمة المناخية باعتبارها خطرًا، لكن يمكنه أيضًا أن يراها فرصة لإعادة التفكير في اقتصاده.

فالطاقة الشمسية، وإعادة تدوير النفايات، والزراعة المستدامة، والنقل الأقل تلويثًا، وكفاءة استخدام المياه، والمباني الموفرة للطاقة، وحماية الغابات والسواحل، كلها ليست قضايا بيئية فقط؛ إنها مجالات يمكن أن تولد وظائف واستثمارات ومهارات جديدة.

وفي اقتصاد يواجه بطالة وهجرة للكفاءات، يصبح الاقتصاد الأخضر جزءًا من الحل.

يمكن لشاب أن يعمل في تصميم أنظمة الطاقة الشمسية، أو في إدارة المياه، أو في الهندسة البيئية، أو في الزراعة الذكية، أو في إعادة تدوير المواد، أو في تطوير حلول رقمية تساعد المؤسسات على تقليل استهلاكها للطاقة والمياه.

وهكذا ننتقل من فكرة بسيطة تقول: «كيف نحمي البيئة؟»

إلى سؤال أكثر طموحًا:

«كيف نبني اقتصادًا لا يحتاج إلى تدمير البيئة كي ينمو؟»

الاستدامة تبدأ من الدولة… لكنها لا تنتهي عندها

لا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية أزمة المناخ.

لا يستطيع الفرد أن يعالج وحده مشكلة النفايات إذا لم تكن هناك إدارة سليمة لها. ولا يستطيع أن يختار النقل العام إذا لم تتوافر شبكة نقل فعالة. ولا يستطيع أن يعتمد على الطاقة النظيفة بصورة كاملة إذا كانت البنية التحتية والقوانين والاستثمارات لا تساعده.

الدولة مطالبة بوضع سياسات طويلة الأمد، وحماية الموارد الطبيعية، وتطبيق القوانين البيئية، وتشجيع الطاقة المتجددة، وتطوير شبكات النقل، وتحسين إدارة المياه والنفايات، والاستعداد للكوارث الطبيعية.

لكن الدولة ليست وحدها.

فالجامعة تستطيع أن تنتج المعرفة. والشركة تستطيع أن تخفض استهلاكها. والبلدية تستطيع حماية المساحات الخضراء. والمدرسة تستطيع أن تزرع ثقافة المسؤولية. والمواطن يستطيع أن يبدأ من عاداته اليومية.

الاستدامة ليست قرارًا حكوميًا واحدًا؛ إنها ثقافة مجتمع كاملة.

ماذا سنترك للأجيال القادمة؟

ربما يكون السؤال الأخلاقي الأهم في قضية المناخ بسيطًا جدًا:

أي لبنان نريد أن نتركه لأبنائنا؟

هل نريد أن يرثوا جبالًا أقل خضرة، وبحرًا أكثر تلوثًا، ومياهًا أكثر ندرة، ومدنًا أكثر اختناقًا، واقتصادًا مضطرًا دائمًا إلى دفع ثمن أخطاء الماضي؟

أم نريد أن يرثوا بلدًا تعلم أخيرًا أن التنمية لا تعني استهلاك موارده حتى النهاية؟

الأجيال القادمة لم تشارك في القرارات التي أوصلت العالم إلى أزمته المناخية، لكنها ستعيش نتائجها.

ولهذا فإن حماية البيئة ليست فقط مسؤولية تجاه الحاضر، بل أمانة تجاه أشخاص لم يولدوا بعد.

إنها واحدة من الحالات النادرة التي يصبح فيها مفهوم العدالة ممتدًا عبر الزمن: أن نستخدم موارد الأرض اليوم، من دون أن نسلب من الذين سيأتون بعدنا حقهم في استخدامها غدًا.

لا نملك كوكبًا آخر

قد تبدو مواجهة التغير المناخي أكبر من قدرة بلد صغير، وقد يشعر الإنسان أحيانًا أن ما يفعله لن يغير شيئًا أمام حجم الأزمة العالمية.

لكن الاستسلام ليس استراتيجية.

لا يستطيع لبنان وحده أن يوقف تغير المناخ، لكنه يستطيع أن يقرر كيف يستعد له، وكيف يحمي مواطنيه، وكيف يحافظ على موارده، وكيف يبني اقتصادًا أكثر كفاءة وعدلًا واستدامة.

المطلوب ليس أن نعيش ضد الطبيعة، بل أن نتعلم كيف نعيش معها.

فالاستدامة ليست أن نتوقف عن التنمية، بل أن نعيد تعريف التنمية نفسها: أن يكون النمو الاقتصادي قادرًا على تحسين حياة الإنسان من دون أن يهدم البيئة التي يعتمد عليها.

وفي النهاية، ربما لا يكون أعظم إرث نتركه لأبنائنا مبنى أو ثروة أو طريقًا جديدًا.

ربما يكون أعظم إرث هو أن نترك لهم أرضًا ما زالت قادرة على احتضان حياتهم.

فالكوكب لا يحتاج إلى الإنسان كي يستمر، لكن الإنسان يحتاج إلى كوكب صالح للحياة.

ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا.

ليس غدًا.

بل الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى