
بقلم راشد شاتيلا
لم تعد الهيمنة تُقاس بما تمتلكه الدول من سلاح وثروات فحسب، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وامتلاك التكنولوجيا، وصناعة الإنسان الذي سيحدّد شكل العالم المقبل.
يقف العالم أمام تحوّل تاريخي تتراجع فيه قدرة القواعد التقليدية على ضبط التنافس الدولي، فيما تتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على قيادة الاقتصاد والتكنولوجيا وتحديد معايير القوة. لم يعد المشهد الدولي محكومًا بتوازنات ثابتة، بل بشبكة معقّدة من المصالح والتحالفات والتناقضات. إنّ السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان النظام العالمي سيتغيّر، بل ما إذا كانت القوى الكبرى ستنجح في إدارة هذا التغيير بالتفاوض، أم ستترك منطق الصدام يفرض أثمانًا باهظة على العالم.
يرتبط النفوذ السياسي بالقوة الاقتصادية، ولذلك لا يمكن فصل التنافس الدولي عن الأسواق والطاقة والتجارة والديون والتكنولوجيا. وقد تثير الأزمات المالية تساؤلات حول كيفية توظيف القوة العسكرية في خدمة المصالح الاستراتيجية، لكنّ القول إنّ دولة كبرى ستفتعل حربًا للخروج من أزمتها الاقتصادية يبقى فرضية تحتاج إلى أدلة، لا حقيقة يمكن التسليم بها. فالحرب قد تنشّط قطاعات محدّدة، لكنها قد تدمّر البنية التحتية، وتربك الأسواق، وتزيد المديونية، وتفتح أبوابًا لتصعيد يصعب احتواؤه. ومن هنا، فإنّ الرهان على المواجهة بوصفها طريقًا إلى استعادة الهيمنة قد يتحوّل إلى مخاطرة تهدّد النظام الذي تسعى الدولة إلى حمايته.
في الماضي، ارتبطت القوة بالسيطرة على الأراضي والموارد والممرات التجارية. أمّا اليوم، فتتقدّم عناصر أخرى إلى قلب المعادلة: الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والحوسبة المتقدمة، والأمن السيبراني، والطاقة النظيفة. فالدولة التي تطوّر التكنولوجيا وتضع معايير استخدامها لا تبيع منتجات فحسب، بل تؤثّر في طريقة عمل الاقتصادات والمؤسسات والمجتمعات. وهكذا، أصبحت المعرفة مصدرًا للنفوذ، وأصبح التعليم والبحث العلمي جزءًا من الأمن الاستراتيجي. ولن يكون التحدّي الأكبر في استيراد أحدث التقنيات، بل في امتلاك القدرة على تطويرها وتكييفها وإنتاج قيمة اقتصادية منها.
وسط هذا التنافس، يبرز سؤال لا يحظى بما يكفي من الاهتمام: أين يقف الشباب؟ إنّهم ليسوا مجرّد جيل ينتظر نتائج قرارات تتّخذها العواصم الكبرى، بل قوة قادرة على تغيير موقع مجتمعاتها في الاقتصاد العالمي. فالشاب الذي يتعلّم البرمجة، أو يطوّر مشروعًا في التكنولوجيا الطبية، أو يؤسّس شركة ناشئة، أو يبتكر حلًا لمشكلة في الطاقة والمياه، يساهم في بناء استقلال اقتصادي يتجاوز حدود الفرد. لكنّ تحويل هذه الإمكانات إلى إنجازات يتطلّب تعليمًا نوعيًا، وتمويلًا للابتكار، وفرصًا عادلة، ومؤسسات تفتح أبوابها للكفاءات. فلا معنى للمطالبة بإبداع الشباب إذا كانت السياسات العامة تدفعهم إلى البطالة أو الهجرة، ولا يمكن بناء اقتصاد المستقبل بعقول لا تجد مكانًا فيه.
لا يعني اختلال موازين القوى أنّ مصير الدول الصغيرة مكتوب سلفًا. فالتأثير الدولي لا يرتبط بالحجم العسكري وحده؛ إذ تستطيع الدول أن تبني مكانتها من خلال الدبلوماسية، والتخصّص الاقتصادي، والتكنولوجيا، والتعليم، والقدرة على الوساطة وبناء الشراكات. غير أنّ الإرادة السياسية، مهما بلغت أهميتها، تحتاج إلى مؤسسات فعّالة واقتصاد متماسك ورؤية طويلة الأمد. وهنا يصبح الاستثمار في الشباب خيارًا استراتيجيًا، لا بندًا ثانويًا في الموازنة. فالدولة التي تحوّل جامعاتها إلى مراكز للبحث، وتربط المعرفة بالإنتاج، وتحمي أصحاب المبادرات، تستطيع توسيع هامش استقلالها حتى في بيئة دولية شديدة التنافس.
يمتلك لبنان والعالم العربي طاقات بشرية وموقعًا جغرافيًا وإمكانات اقتصادية يمكن أن تؤسّس لدور أكثر تأثيرًا، لكنّ الإمكانات لا تتحوّل تلقائيًا إلى قوة. المطلوب هو الانتقال من الاعتماد المفرط على استيراد التكنولوجيا إلى الاستثمار في إنتاج المعرفة والخدمات الرقمية والبحث العلمي والصناعات المتخصّصة. ويحتاج ذلك إلى تعاون بين الجامعات والقطاع الخاص، وإلى سياسات تحفّز الابتكار وتحمي الكفاءات وتمنح الشباب فرصة تأسيس أعمالهم في بلدانهم. وبالنسبة إلى لبنان، يمكن أن يشكّل التعليم والاقتصاد المعرفي وريادة الأعمال مدخلًا للتعافي، شرط استعادة الثقة بالمؤسسات وتوفير بيئة تحترم الكفاءة وتكافئ الإنتاج. فليس المطلوب أن ينافس لبنان القوى الكبرى في حجمها، بل أن يجد المجالات التي يستطيع فيها التميّز والتأثير.
قد يتّجه العالم نحو تنافس ثنائي أشدّ بين واشنطن وبكين، أو نحو توازن متعدد الأقطاب تتوزّع فيه القوة على دول ومراكز مختلفة. لكنّ أيًّا من هذه السيناريوهات لا يضمن وحده عالمًا أكثر عدلًا أو استقرارًا. فالمعيار الحقيقي لنجاح النظام الدولي هو قدرته على الحدّ من الحروب، واحترام سيادة الدول، وتوسيع فرص التنمية، ومنع تحوّل التكنولوجيا إلى أداة لاحتكار الفرص وتعميق الفجوات.
وفي هذه المعادلة، لا ينبغي أن يكون الشباب مجرّد مستفيدين من المستقبل، بل شركاء في رسم سياساته وصناعة اقتصاده وتحديد أولوياته.
إنّ معركة القرن الحادي والعشرين ليست على من يرفع صوته أكثر، بل على من يمتلك المعرفة التي تفتح أبواب المستقبل . والدول التي تستثمر في عقول شبابها اليوم ستكون أقدر على حماية قرارها غدًا. فالقوة قد تفرض النفوذ، لكنّ المعرفة تبني الاستقلال، والشباب حين تُمنح لهم الفرصة لا يرثون العالم فحسب، بل يملكون القدرة على تغييره.



