
بقلم الدكتور محمد كامل الرفاعي
منذ عام 2019، دخل لبنان واحدة من أشد أزماته الاقتصادية والمالية؛ حيث انهارت قيمة العملة الوطنية بفقدانها أكثر من 95% من قيمتها، وتآكلت الودائع، وارتفعت مستويات التضخم لتدفع بمعدلات الفقر إلى تجاوز 44% وفق تقارير البنك الدولي (فيما تشير تقارير أممية إلى تجاوز الفقر المتعدد الأبعاد نسبة80% في المناطق الأكثر هشاشة). وبينما تراجعت القدرة الشرائية للمداخيل، استمرت تكاليف المعيشة في الارتفاع، ليتحول تأمين الاحتياجات الأساسية إلى معركة يومية قاسية.
وتبرز هذه الأزمة بوضوح في محافظتي بعلبك-الهرمل والبقاع، حيث تتداخل تداعيات الانهيار المالي مع ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب لتتجاوز 55%، وتراجع خدمات الطاقة حيث لا تتعدى تغذية كهرباء الدولة 2 إلى 4 ساعات يوميًا. ومع اقتراب موسم البرد في هذه المنطقة المرتفعة، تصبح كلفة التدفئة عبئًا إضافيًا جاسمًا؛ إذ تحتاج الأسرة الواحدة إلى متوسط برميل ونصف إلى برميلين من المازوت شهريًا (نحو 300 إلى 400 ليتر) بكلفة تتراوح بين 430 و570 دولارًا أميركيًا.
وأمام هذه الفجوة الحادة بين الأجور وكلفة الوقود، تضطر أسرٌ عدة في محافظتي بعلبك-الهرمل والبقاع إلى تقليص ساعات التدفئة أو الاستدانة لشراء المازوت، فيما تواجه أخرى خيارًا قاسيًا بين توفير الدفء أو شراء الغذاء والدواء. ولا تنفصل هذه المعاناة عن أعباء اشتراكات المولدات، والمياه، والتعليم، والاستشفاء، التي تستنزف الميزانيات المتبقية للأسر وتضيّق خياراتها اليومية.
وفي ظل هذا الواقع، تزداد الفجوة عمقًا بين من يملك القدرة المالية لتأمين المستلزمات الأساسية ومن يعجز عنها. ولا يقتصر أثر الفقر في المناطق الأكثر هشاشة على تراجع مستوى المعيشة، بل يمتد مباشرة إلى تهديد صحة الأطفال وكبار السن والمرضى في مواجهة ظروف الشتاء القارص.
وهنا تتجاوز المسألة ارتفاع أسعار المحروقات لتصل إلى مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها. فحين تغيب السياسات الاجتماعية الفعّالة، تنتقل أعباء الانهيار بالكامل إلى كاهل الأسر، ويكون الأكثر فقرًا أول من يدفع الثمن.
ومن هنا تبرز الحاجة الماسة إلى خطة طوارئ شتوية تمنح محافظتي بعلبك-الهرمل والبقاع أولوية واضحة، عبر تقديم دعم موجه للتدفئة ومساعدات شفافة تستند إلى الاحتياجات الفعلية، بالتوازي مع تحسين الخدمات العامة وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية.
في ليلة شتوية باردة في بعلبك ، قد تجمع أمٌّ أطفالها تحت الأغطية مترددة في تشغيل المدفأة، فيما يؤجل أبٌ شراء الوقود لأن ثمنه يأتي على حساب طعام أسرته أو دوائها. خلف هذه الأرقام حكايات عائلات تحاول مواجهة البرد بكرامة؛ هؤلاء لا يبحثون عن الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى دعم يحفظ كرامتهم، ودولة تنصفهم، ومجتمع يتضامن معهم، فالتعافي الحقيقي لا يُقاس بالشرائح الاقتصادية فحسب، بل بألا يُترك طفلٌ في بعلبك الهرمل يواجه الشتاء عاجزًا عن الدفء.



