
عندما اعترضت الدول المتوسطة والصغيرة على امتلاك الدول العظمى الخمس على "حق الفيتو" باعتباره يتناقض مع قواعد القانون الدولي أي المساواة السيادية بين الدول صاح المندوب الأميركي في جلسة النقاش :"لن تقوم قائمة للأمم المتحدة بدون الفيتو".
كان ذلك في المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة في سان فرنسيسكو في الخامس والعشرين من نيسان من العام ١٩٤٥. ووقتها كان النظام الدولي يقوم على قاعدة الشراكة والتنافس بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي. إنما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي تحكّمت الولايات المتحدة الأميركية بنوع من الأحادية القطبية ورفعت من نسبة تهميش منظمة الأمم المتحدة ومفهوم المساواة في سيادة الدول واستتبعت أوروبا الغربية وحلف الناتو إلى تبعيّة القرار الأميركي. وهذا ما منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الآن أن لا يحتكم للقانون الدولي لا في فنزويلا ولا في قناة بنما ولا في ضم غرينلاند ولا في الحرب الأميركية-الايرانية باعتباره "امبراطور العالم" وسيد القرار فيه. وحسابات الرئيس الأميركي ارتكزت إلى "مبدأ القوة" باعتبار الولايات المتحدة الأميركية أقوى دولة في العالم ومن حقها السيطرة على الثروة النفطية والمضائق وتغيير الأنظمة في أميركا اللاتينية باعتبارها "الحديقة الخلفية" لواشنطن.
وحسابات "القوة الأميركية" اصطدمت بممانعة روسية وصينية وبمقاومة ايرانية وباستياء من حلفاء أميركا التقليديين وبمخاوف من الدول الخليجية النفطية بعد أن تبيّن أن القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها لا تشكّل شبكة أمان لها بعد تعرّضها لضربات عسكرية ايرانية موجعة استتبعت بعد فترة نقلها إلى أماكن بعيدة وتحديدا إلى النقب وشمال اسرائيل. إضافة إلى إقامة قاعدتين بحريتين واحدة قرب حيفا وأخرى في الناقورة ترتبط بحسابات النفط والغاز في لبنان.
لكن من يتابع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستوقفه في الآونة الأخيرة أنه يستخدم كثيرا كلمة "قد" أو يبدأ بتساؤل. وهذا مؤشّر على التردد في الخيارات بين العمل العسكري والديبلوماسي. كما أنه في "الخيار العسكري" يؤثر أن تبدأ به اسرائيل وينضم هو إليها لاحقا. فيما اسرائيل تؤثر أن يبدأ هو بالحرب وتنضم إليها لاحقا. إضافة إلى تباين في أهداف الحرب. اسرائيل الهدف هو إسقاط النظام الايراني وتفتيت ايران إلى كيانات. أما الهدف الأميركي فهو "تغيير سلوك النظام" ورضوخه دون إسقاطه.
تردد الرئيس ترامب في خياراته يرفع أميركيا من منسوب الخيار الديبلوماسي ومن مقولة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ما وصفه في إسلام أباد بأن "مذكرة التفاهم" الأميركية-الايرانية هي في مثابة "جسر ذهبي نحو المستقبل" بين واشنطن وطهران. كان ذلك قبل انهيار "المذكرة" بسبب تجدد الخلاف على مضيق هرمز. وهذا يعني أن هناك تأجيلا للحرب بحكم الضرورات يفسح المجال إلى "مفاوضات منتجة". وفي الأسباب التي تدعو إلى ذلك استنادا إلى مصادر ديبلوماسية تملك معلومات:
1- الدول الخليجية أبلغت واشنطن رسميا أنها تتمنى عليها فكرة إلغاء الحرب على ايران.
2- تدنّي مستوى المخزون الأميركي في الذخائر وصواريخ باتريوت وتوماهوك.
3- تباين في الرأي بين رئيس الجيوش الأميركية والرئيس الأميركي حول الحرب. فرئيس الأركان الأميركي يعارض فكرة الحرب.
4- خلاف بين المستشارين والرئيس ترامب على موضوع الحرب.
ومع ذلك التحوّل الأساسي في المنطقة هو الاجتماع الرباعي في طهران والذي ضمّ وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس جهاز المخابرات التركي ابراهيم قالن وأمين عام المجلس القومي الايراني محسن رضائي. وهذا اللقاء هيّأ له في زيارة سابقة المشير عاصم منير للتقريب بين المملكة العربية السعودية وايران بهدف أن يكون للدول الاسلامية دور فاعل في النظام الاقليمي وخصوصا بعد أن استنتج بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يحرص على استقرار المملكة وتلافي أزمة طويلة وعلى عدم تعريض النظام المركزي الذي أرساه إلى أي مخاطر وخصوصا وأنه ربطه بتطوّر اقتصادي واجتماعي ومالي بعيد المدى للمملكة وبعد أن لمس محدودية شبكة الأمان الأميركية.
عبد الهادي محفوظ



