محفوظ: حول مبادئ التفاوض والدولة الأقوى لفخامة الرئيس

’’وحده مشروع الدولة هو الأقوى‘‘. هذا الإستنتاج هو للرئيس العماد جوزاف عون الذي لا يعترض عليه أحد. إنما السؤال الأساسي الذي لا جواب عليه أنه منذ قيام دولة لبنان الكبير و’’مشروع الدولة الأقوى‘‘ غائب في حسابات بناء دولة النظام الطوائفي. فلا بناء لمشروع الدولة مع السقوف المتعددة الطوائفية وغياب فكرة المواطنية واعتبار الأقليات من كاثوليك وأرثوذكس وأكراد وعلويين وأرمن وسريان ’’مواطنين‘‘ من درجة ثالثة. وكذلك لا بناء للدولة مع خلل كبير بين المركز والأطراف في الإنماء والدخل المالي والإقتصاد ومؤسسات الدولة التي تتجمع مبدئيا في بيروت بنوع من المركزية التي تلغي الأطراف البعيدة كعكار والهرمل. وحتى المدن مثل طرابلس وصيدا وقضاء الشوف القريب من بيروت.

لا شك أن ما ذهب إليه الرئيس جوزاف عون من تحديد أهدافه في التفاوض هو واقعي وبراغماتي ولا يمس الحقوق الوطنية وذلك في الثوابت الآتية:

1-وقف العدوان الاسرائيلي عن أرضنا.

2-بسط سيادة الدولة على أرضنا بقواها الذاتية حصرا.

3-عودة الأسرى وعودة الناس إلى بيوتهم وقراهم.

وفي تحقيق هذه الأهداف يراهن الرئيس عون على دور ’’حيادي‘‘ للرئيس ترامب وعلى ضغوط أميركية على اسرائيل لتنفيذ بنود القرار 1701 في الإنسحاب من الجنوب اللبناني. وأيضا على الوصول إلى ’’اتفاق إطار‘‘ بين واشنطن وطهران. وعلى ترتيبات واسعة في الشرق الأوسط وعلى دور ضاغط سعودي – مصري مدعوم من دول المحور الاسلامي وعلى رؤية أميركية سياسية ترمي إلى عدم تمدد النفوذ الروسي والصيني في الاقليم. وكذلك على حسابات أميركية بـ’’تحييد النفوذ الايراني والاسرائيلي‘‘ في لبنان.

رهانات الرئيس العماد جوزاف عون قد تكون في مكانها. وهي ترتبط بمدى التجاوب الأميركي الفعلي معها وبمدى تطويق ما ترمي إليه اسرائيل من الفصل بين لبنان الرسمي وحزب الله وكذلك بدور مركزي للمؤسسة العسكرية وقائدها العماد رودولف هيكل في تكريس وحماية الوحدة الوطنية من أي شطط طائفي باتجاه الفتنة الداخلية التي تسعى إليها الحكومة الاسرائيلية ولا تستبعدها في حساباتها النهائية.

وأما بالنسبة لـ’’مشروع الدولة الأقوى‘‘. فإن ذلك يفترض ’’ترجمة‘‘ خطاب القسم وما تضمّنه من بنود حول الدولة العادلة والقادرة وبناء المواطنية ومواجهة الفساد وتفعيل المؤسسات الرقابية في الدولة وتجنّب خطاب الكراهية والتحريض الطوائفي. ومثل هذه البنود لاقت تجاوبا شعبيا واسعا معها لم تملك معه السلطة الطوائفية الإعتراض عليها. لكن خطاب القسم بقي من دون آلية للتنفيذ. فهذه الآلية مربوطة بقيام الحاملة الإجتماعية في المجتمع الأهلي. إذ أن التجربة الشهابية وهي الأولى لقيام الدولة اعتمادا على المؤسسة العسكرية وتحرير إدارة الدولة من نفوذ الإقطاع السياسي وصلت إلى طريق مسدود لأنها لم تكوّن ’’الحاملة الإجتماعية‘‘ التي كان يدعو إليها إصلاحيون مثل المطران غريغوار حداد والدكتور حسن صعب والدكتور محمد المجذوب والدكتور شارل رزق والشيخ موريس الجميّل وغيرهم. ولأنه لم يتم بناء هذه ’’الحاملة‘‘ وقعت ’’الدولة‘‘ في شرك الإقطاع السياسي من جديد.

ومن هنا هل يستثمر الرئيس جوزاف عون المعطى الأميركي الإيجابي نحو لبنان في تحريك المجتمع الأهلي لصالح بناء الدولة؟ تساؤل لا جواب عليه حاليا. ومع ذلك فأفكار الرئيس عون فيها جرأة ومقاربة للمستقبل وبناء الدولة. وهي تحتاج إلى ’’ضمانة‘‘ ما من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

*عبد الهادي محفوظ*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى