
لبنان على مفترق التحولات: “اللقاء الوطني” ومسعى تثبيت معادلة الاستقرار والسيادة
د. هشام الأعور
في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، يأتي إطلاق “اللقاء الوطني” كإشارة سياسية لا يمكن التعامل معها كحدث عابر أو بيان تقليدي. فالمشهد الذي رافق الإعلان—من حيث الحضور المتنوع سياسياً ودينياً وإعلامياً، والمكان الرمزي في نقابة الصحافة—يوحي بمحاولة جدية لإعادة صياغة خطاب وطني جامع في مواجهة مرحلة توصف بأنها مفصلية بكل المقاييس.
جوهر هذا اللقاء لا يكمن فقط في مضمونه السياسي، بل في توقيته. فلبنان يقف عند تقاطع أزمات داخلية خانقة—اقتصادية، مؤسساتية، واجتماعية—مع تحولات إقليمية متسارعة تفرض عليه تحديات تتجاوز قدرته التقليدية على المناورة. من هنا، يمكن قراءة “اللقاء الوطني” كمحاولة لإعادة تثبيت أولويات المشهد الداخلي: حماية الاستقرار، منع الانزلاق إلى الفوضى، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة دون التفريط بعناصر القوة التي يعتبرها جزء من اللبنانيين ضمانة وجودية.
اللافت في الطرح هو السعي للجمع بين ثنائيات طالما بدت متناقضة في التجربة اللبنانية: الدولة والمقاومة، السيادة والتنوع، السلم الأهلي وخيارات المواجهة. هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أي طرح أحادي لم يعد قابلاً للحياة، وأن المعادلة اللبنانية بطبيعتها قائمة على التوازن لا الإلغاء. لذلك، فإن التأكيد على “اللاءات الثلاث”—رفض تغيير الهوية، رفض سقوط الدولة، ورفض “أسرلة” لبنان—يشكل محاولة لرسم سقف سياسي جامع يلتقي عنده المختلفون، ولو مرحلياً.
في البعد الخارجي، يعكس الخطاب موقفاً واضحاً من التحولات الإقليمية، خصوصاً في ظل تصاعد المواجهات المفتوحة في المنطقة. هنا، يبرز التركيز على “تحصين الداخل” كأولوية، في إشارة إلى أن لبنان لم يعد يحتمل أن يكون ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وهذا الطرح، وإن بدا بديهياً، إلا أنه يحمل في طياته دعوة ضمنية لإعادة تنظيم العلاقة بين الداخل والخارج، بما يحد من كلفة الانخراط في صراعات تتجاوز قدرته.
أما في الشق المتعلق بالمؤسسات، فإن التشديد على دور الجيش وبقية مؤسسات الدولة يعكس محاولة لإعادة التوازن إلى مفهوم الشرعية. فالدولة، رغم ضعفها، تبقى الإطار الوحيد القادر على جمع اللبنانيين، وأي مشروع إنقاذي لا يمكن أن يقوم خارجها. غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع الانقسام حول مفهوم “الاستراتيجية الدفاعية”، ما يجعل الدعوة إلى الحوار حولها خطوة ضرورية لكنها محفوفة بالتعقيدات.
سياسياً، يمكن اعتبار “اللقاء الوطني” منصة لإعادة إنتاج خطاب سيادي بمفهومه المركّب، الذي لا يختزل السيادة في بعدها الدبلوماسي فقط، بل يربطها بعناصر القوة على الأرض. لكن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذا الخطاب إلى مسار عملي، خصوصاً في ظل غياب الثقة بين القوى السياسية، واستمرار التباينات العميقة حول أولويات المرحلة.
في الخلاصة، لا تكمن أهمية هذا اللقاء في ما أعلنه فقط، بل في ما يمكن أن يؤسس له. فإذا نجح في التحول إلى إطار حواري فعلي يخفف من حدة الانقسام، فقد يشكل مدخلاً لإعادة ترميم الحياة السياسية اللبنانية. أما إذا بقي في حدود البيانات، فسينضم إلى سلسلة المبادرات التي لم تصمد أمام تعقيدات الواقع.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مواقف مرتفعة السقف بقدر ما يحتاج إلى مساحات مشتركة قابلة للحياة. و”اللقاء الوطني”، في أفضل حالاته، هو محاولة لفتح هذه المساحة—ولو في زمن تضيق فيه الخيارات.









