
✍️محمد الجوهري.
ليس أخطر على الإمبراطوريات من لحظة تكتشف فيها أن اللغة لم تعد تكفي، وأن القوة، مهما بدا صخبها، لا تستطيع أن تفرض نفسها على الجغرافيا حين تتخذ الأخيرة قرارها.
ما جرى في الأيام الأخيرة حول مضيق هرمز ليس مجرد تطور عسكري أو مناورة دبلوماسية عابرة، بل هو اختبار قاسٍ لفكرة السيطرة نفسها: من يملك البحر؟ ومن يملك حق المرور؟ ومن يكتب قواعد اللعبة حين تتقاطع السيادة مع التجارة، والردع مع العجز، والحرب مع الإقتصاد؟
تعليق واشنطن لعملية “مشروع الحرية” بعد يوم واحد فقط من إطلاقها، أياً كانت الرواية الرسمية التي تسوّقه، ليس تفصيلاً إدارياً ولا مجرد تعديل تكتيكي.
إنه إقرار ضمني بأن اليد الأميركية لم تعد قادرة على فرض إيقاعها كما كانت تفعل في عقود سابقة.
فالممرات البحرية لا تُدار بالتصريحات وحدها، ولا تُفتح بقرارات سياسية إذا كانت الموازين الميدانية تقول شيئاً آخر. وحين تُجبر قوة عظمى على التراجع السريع، فإنها لا تتراجع فقط أمام خصمها، بل أمام صورتها عن نفسها أيضاً.
في المقابل، تبدو طهران وكأنها انتقلت من موقع الدفاع إلى موقع تنظيم الفضاء البحري ذاته. “سلطة مضيق الخليج الفارسي”، كما أعلنت، ليست مجرد تسمية إدارية؛ إنها إعلان رمزي وسيادي بأن إيران لا تكتفي بمراكمة القدرة على المنع، بل تسعى إلى تحويل المنع إلى نظام.
وهنا تكمن المعادلة السياسية الكبرى: فحين يصبح المرور امتيازاً تمنحه السيادة والقدرة لا فرضا تقرّره القوى الدولية، ندخل زمناً تبرز فيه إيران بوصفها دولة مسؤولة عن إدارة مضيق يمرّ عبره جزءٌ استراتيجي من تجارة العالم، لا مجرد قوة مغلقة.
ينتقل المشهد من زمان الفوضى المقنّعة إلى زمن إدارة صارمة، لكنها محكومة بمسؤولية.
في هذا السياق، تبرز إيران ليس كقوة مغلقة، بل كدولة تتحمّل مسؤولية إدارة مضيق يمرّ عبره جزء كبير من تجارة العالم، وتحوّل البحر من "فضاء غير مُراقَب" إلى فضاء مُنظّم يُطلَب من المستفيدين منه احترام شروطه. إن البحر، الذي طالما قُدم بوصفه فضاءً مشتركاً بلا مراقبةٍ حقيقية، يعود اليوم إلى منطق الحارس والبوابة، لا منطق الانفلات والانسياب، ليُطرح السؤال المركزي: هل يُفضّل العالم إدارةً واضحةً وصارمةً على فوضى مدعومة بشرائع باهتة؟
لكن الأكثر دلالة في هذه اللحظة ليس فقط ما تفعله إيران، بل ما يكشفه تردد الولايات المتحدة عن حدود القوة الغربية ذاتها.
فاستمرار تحريك القاذفات وطائرات التزويد بالوقود والإستطلاع، رغم تعليق العملية، يشير إلى أن لغة الفرض لم تُلغَ بل جُمِّدت مؤقتاً وهذا ما خبرته طهران سابقاً.
إنه مشهد قوة تريد أن تُرى حتى حين تعجز عن الفعل، كأنها تراهن على أن الصورة بحد ذاتها ما تزال قادرة على إنتاج الخوف.
غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن الردع يفقد كثيراً من فعاليته عندما يتحول إلى استعراض مستمر.
فالقوة التي لا تُترجم إلى نتيجة، تصبح في لحظة ما جزءاً من المسرح لا من القرار.
وفي الخلفية، تبدو فكرة “المذكرة من صفحة واحدة” أكثر من مجرد صيغة تفاوضية.
إنها تعبير عن عصر سياسي يفضل اختصار المعضلات الكبرى في حلول سريعة، كما لو أن حرباً متعددة الطبقات يمكن أن تُطوى في ورقة واحدة.
لكن الحروب، بخلاف البيانات، لا تنتهي لأن أحدهم قرر أن يعلن نهايتها.
تنتهي حين تُستنفد أسبابها أو حين يقتنع الأطراف بأن الكلفة تجاوزت المعنى.
لذلك فإن أي وقفٍ مؤقتٍ للنار قد يكون بداية تفاوض، لكنه لا يعني بالضرورة بداية سلام.
فالفارق بين الإثنين هو الفهم العميق لمسألة السلطة: هل الهدف وقف النار، أم إعادة تعريف من يملك حق فرضها؟
أما لبنان، فيبقى الساحة التي تُقاس فيها هشاشة الحسابات الإسرائيلية.
فإسرائيل، التي تبدو وكأنها تحاول تعويض مأزقها الإستراتيجي عبر التصعيد على الجبهة اللبنانية، تكشف مرة أخرى عن مأزق جوهري: كلما ضاقت خياراتها في مكان، اتسع توترها في مكان آخر.
غير أن الحرب ليست معادلة قصف فقط..
فحين تتحول الجبهة إلى ساحة استنزاف يومي، يفقد الطرف المهاجم القدرة على تحويل النار إلى إنجاز سياسي.
والنتيجة أن الضربات، مهما كثرت، قد تنتهي إلى تأكيد مأزقها لا إلى حله.
من هنا، تبدو الفلسفة السياسية في هذا المشهد شديدة البساطة، وشديدة القسوة في آن: القوة ليست ما ترفعه الدول في الهواء من صواريخ أو قاذفات، بل ما تستطيع أن تفرضه من انتظامٍ في العالم.
وحين تعجز دولة عن تحقيق هذا الإنتظام، فإنها تظل تضاعف الضجيج بحثاً عن المعنى.
أما الدول التي تفهم الجغرافيا وتُحسن استثمار الزمن، فهي التي تفرض شروطها من دون حاجة إلى إعلان الإنتصار كل ساعة.
إن ما يجري حول هرمز ولبنان والخليج لا يُقرأ فقط بوصفه صراعاً على خرائط النفوذ، بل بوصفه صراعاً على تعريف الشرعية نفسها. من يملك الحق في المنع؟ من يملك الحق في العبور؟ من يقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي؟ هذه الأسئلة، رغم أنها تبدو قانونية، هي في جوهرها أسئلة فلسفية عن طبيعة السلطة في عالمٍ لم يعد يحتمل يقيناً واحداً.
والراجح أن الأيام الثلاثين المقبلة، إن صحّت فرضية التهدئة المؤقتة، لن تكون استراحة بقدر ما ستكون معركة أخرى: معركة على الرواية، وعلى الذاكرة، وعلى من سيُقنع العالم بأنه خرج من الأزمة أقوى لا أضعف. لكن التاريخ نادراً ما يمنح هذه الهدية مجاناً. فحين تفرض الجغرافيا منطقها، يصبح على السياسة أن تتواضع. وحين تعجز القوة عن فتح الممرات، تكتشف أن الطريق إلى الهيمنة لا يمر دائماً عبر البحر، بل أحياناً عبر الإعتراف بالحدود.



