
ب✍️ محمد الجوهري.
لا تنظر إلى التغريدة كما لو كانت نهاية الحكاية؛ انظر إلى ما يحيط بها من أفعال.
ففي زمن تنتشر فيه الحقيقة بكبسة زرّ، يصبح ما وراء الكلمة أقدر على تقرير المصائر.
صورة منشورة وعبارة مختصرة لترامب قد تغطي على حركة فعلية: إجلاء أفراد ذوي حساسية عالية بواسطة طائرات شحن، تموضع حاملات ومدمرة قرب السواحل، وتكديس قاذفات بعيدة المدى في قواعد بعيدة. هذا النمط من التحركات لا يوازي مجرد تهديد كلامي؛ إنه بيان عملي للتحضير.
السؤال الذي يجب طرحه ليس لماذا نقرأ العبارة، بل لماذا تُصاغ الآن؟.
أصحاب القرار اليوم يتصرفون بوعي جريح: من جُرِحَ يميل إلى اتخاذ خطوات سريعة تعيد له مكانته، حتى لو حملت تكاليف بعيدة المدى.
هذه النفسية السياسية تنتج خيارات انتقامية قد تبدو مبررة آنياً لكنها تقود إلى ولوج لا تُحمد عقباها.
الأرقام لا تكذب: إنفاقات باهظة، نتائج ميدانية أقل من المتوقَّع، واستعادة طهران لقدراتها المخفية.
عندما تُنفَق مواردٌ هائلة ولا يتبعها أثرٌ ملموس على الأرض، يتحول الإنفعال إلى حافز لتصعيدٍ يهدف إلى استعادة صورة الهيمنة.
وهنا تتبدى مفارقة القرار: من يحاول أن ينهك الخصم قد يجد نفسه أول من يستَنزِف مخزوناته وأطماعه.
في الساحة اللبنانية، تبدو التكتيكات الصغيرة ذات أثرٍ كبير. ضربات دقيقة ضد آليات هندسية ومدرعات، استخدام طائرات مسيرة خفيفة لتعطيل تشكيلات متقدمة، وتكتيكات عبوات متتابعة قادرة على تعطيل عمليات إنقاذ وتدمير معدات باهظة الثمن — كل ذلك يعيد تشكيل حسابات الحرب: ليست القيمة التقنية وحدها التي تحدد الفوز، بل حساب تكلفة الإستبدال واللوجستيات والنفس المعنوي. التحول التكتي هذا يفضي إلى واقعٍ يجعل أي محاولة لفتح جبهة برية أمراً قاتلاً من حيث الكلفة.
ثم حادثة المحطة النووية في براكة؛ لا تكمن المفاجأة في الهجوم نفسه بقدر ما تكمن في كيفية تحويل الحدث إلى مبرر.
فحين تُنسب المسؤولية أو تُترك مساحات للتأويل، يصبح الحادث مادة لإنشاء شرعيةٍ لعمل أكبر.
في السياسة، الذريعة هي البوابة؛ من يسيطر عليها يستطيع أن يفتح باب الضربات الواسعة أو يغلقه، لذلك، الوقوف عند حقيقة الحدث ومصدره ليس ترفًا تحليليًا، بل مطلبٌ أخلاقي وسياسي يمنع استغلاله ذريعة للحرب.
الحشد البحري والجوي الذي نراه اليوم ليس تحضيرًا عرضيًا؛ هو انتقال من خطاب إلى فعل.
تحركات السفن والطائرات والإخلاءات تُشير إلى أن احتمالية اتخاذ قرار قتالي قائمة، ومن هنا ينبع واجبنا كمجتمع: تحويل الملاحظة إلى فعل محاصر — تدقيق، مساءلة، وضبطٍ دبلوماسي يمنع الإنزلاق.
السردية الفلسفية هنا تقول: الأزمة تكشف عن بنية السلطة، وتُعرّي العلاقة بين القول والفعل، بين الحقيقة والذريعة، وبين الزمن القصير وطول الأمد. الحكمة السياسية تتطلّب تحويل غضب "الجريح" إلى محاسَبة عقلانية، وإصلاح مؤسسي يمنع تكرار الدوافع الانتقامية. الفلسفة لا تقدّم وصفة فورية، لكنها توفر منظّماً للنظر في الشرعية، المسؤولية، والمصائر.
المشهد أمامنا لا يترك منفذاً سهلاً. إن وُجهت ضربة كبرى فستردّ طهران بردٍّ ذا أثرٍ استراتيجي: إغلاق ممرات بحرية، استهداف قواعد، وتعطيل سلاسل طاقة. وإن لم تُوجَّه الضربة فستظلّ إيران قادرة على ممارسة ضغوط تُثقل اقتصاد الخصوم وتؤجّج النفوذ الإقليمي. أي قرار هنا ليس مجرد عملية عسكرية؛ هو اقتراع تاريخي يعيد رسم موازين القوة الاقتصادية والسياسية لسنوات.
من زاوية فلسفية، ما نراه اختبار لماهية الحكم في زمن العولمة، فهل تُدار السياسات الكبرى كردّة فعل أم برؤية تقديرية تراعي زمن الاستدامة وسلامة المدنيين؟
اتخاذ قرارات مبنية على غريزة الجريح يخاطر بتحويل السياسة إلى سلسلة من الإنتقامات التي لا تنتج استقرارًا. المنطق الأخطر هو أن الرد الإنتقامي سيمحو المكاسب الإستراتيجية التي سعى القائمون إليها منذ البداية.
على ذلك، هناك ثلاثة مطالب عملية لا تحتمل التأجيل:
تحقيق مستقل وشفاف حول ملابسات الأحداث التي تُستخدم كذرائع، مع نشر بيانات قابلة للتحقق للجمهور الدولي.
مبادرات دبلوماسية دولية فاعلة لثني أي طرف عن تبني خيار عسكري واسع، وإشراك فاعلين قادرين على التأثير على ميزان القرار لدى الطرفين.
تعزيز جاهزية مدنية حقيقية في دول المحور: تأمين إمدادات طبية، ترتيبات إخلاء مهيكلة، ومنصات إعلامية مدنية مسؤولة توفر المعلومات الدقيقة وتُحبط الذعر.
في النهاية، ما نسمّيه "الهدوء" هذه الأيام كثيرًا ما يكون حجابًا متعمَّدًا يُستعمل لصوغ قرار. الوقاية هنا ليست مجرد شعور؛ هي فعلٌ سياسي وأخلاقي يرسم حدود الشرعية ويُنقذ أرواحاً ومصائر. إذن لا ننتظر العاصفة لنبدأ التفكير: العقلاء من يكبحون النار قبل أن تتسع، لا من يحاولون إطفاءها بعد أن التهمت كل شيء.



