قراءة المأزق الإسرائيلي بوصفه أداة تفاوض لبنانية.

ب✍️محمد الجوهري.

‏تُجمع هذه القراءات طيفاً من التقديرات الإسرائيلية، من بينها ما نشرته صحيفة «معاريف»، على أنّ إسرائيل تجد نفسها اليوم في مأزق استراتيجي متزايد التعقيد في مواجهتها المفتوحة مع إيران وشبكة حلفائها في الإقليم. هذا المأزق لا يتجلى فقط في تعدّد الجبهات الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق، بل أيضًا في تآكل قدرة القيادة الإسرائيلية على ضبط مسار الحرب سياسيا وعسكريا، وخضوعها لضغوط أميركية ودولية متصاعدة للحد من التصعيد المفتوح. في هذا السياق، يُشار داخل الصحافة الإسرائيلية نفسها إلى أن اندفاع بنيامين نتنياهو نحو توسيع الهجوم على إيران يحمل في طياته خطر «تورّط» أعمق، قد يفاقم عزلة إسرائيل ويزيد من أعبائها الاقتصادية والأمنية من دون ضمان تحقيق مكاسب حاسمة.

‏وقف إطلاق النار في الجبهة اللبنانية جاء، هو الآخر، ليكرّس هذا الشعور بالضائقة داخل المؤسستين السياسية والعسكرية في تل أبيب. فبدل أن يُقدَّم بوصفه تتويجًا لانتصار واضح، بدا أقرب إلى تسوية اضطرارية أوقفت نزيفًا متصاعدًا من الخسائر والشلل في الشمال، من دون أن تنجح إسرائيل في فرض شروطها القصوى على حزب الله، أو في دفع قواته بعيدًا عن الحدود بالقدر الذي روّج له الخطاب الرسمي في بداية الحرب. هذه الخلاصة توفّر لإيران وحلفائها مادة سياسية وإعلامية جاهزة للقول إنّ الضغط المتراكم على الجبهة الداخلية الإسرائيلية هو الذي فرض إيقاع التهدئة، لا العكس.

‏على المستوى العسكري البحت، تشير تقارير مفتوحة المصدر، غربية وإسرائيلية على السواء، إلى أنّ البنية الصاروخية الإيرانية – بما في ذلك ما يعرف بـ«مدن الصواريخ» وشبكات الأنفاق تحت الأرض – صُمّمت بالأساس لتحييد جزء كبير من فاعلية الضربات الجوية التقليدية، وتأمين «قدرة الضربة الثانية» حتى في حال تعرّض إيران لهجوم واسع. لهذا السبب، من المرجّح أن يكون الجزء الأكبر من المخزون الصاروخي الإيراني قد بقي خارج نطاق التدمير الشامل، رغم الضربات التي استهدفت منشآت ومخازن محددة.

‏هذا التباين بين الخطاب الانتصاري الرسمي في تل أبيب وبين لهجة التحذير واليأس النسبي التي تسود في صحف مثل «معاريف» يكشف في العمق عن أزمة استراتيجية مزدوجة: من جهة، فشل في تحقيق أهداف واضحة يمكن تسويقها للجمهور الإسرائيلي كـ«إنجاز حاسم» بعد موجات القصف والتدمير داخليًا وخارجيًا؛ ومن جهة ثانية، محدودية الأدوات المتاحة لإسرائيل في مواجهة خصم يمتلك عمقًا جغرافيًا كبيرًا، وقدرات صاروخية متفرقة ومحمية، وشبكة حلفاء قادرة على فتح جبهات متعددة في آن واحد. المعنى الأوسع لذلك أنّ الكلفة البشرية والمادية والسياسية لاستمرار خيار القوة العارية تزداد باطراد، بينما تتراجع قدرة إسرائيل على فرض شروطها على طاولة المفاوضات أو على شكل النظام الإقليمي الذي سيتكوّن بعد هذه الجولة من الصراع.

‏في ضوء ما سبق، يمكن قراءة خطاب «الهزيمة» و«الكارثة الاستراتيجية» الوارد في بعض المقالات العبرية لا كإعلان دفن للقدرة الإسرائيلية، بل كتعبير عن إدراك داخلي بأن معادلة الردع القديمة قد اختلّت، وأن الانتقال من التفوق العسكري إلى ترجمة سياسية مستقرة لم يعد مضمونًا كما كان في حروب سابقة. هذا الإدراك بالذات هو ما يدفع جزءًا من النخبة الإسرائيلية إلى المطالبة بإعادة تعريف أهداف الحرب وحدودها، وإعادة النظر في العلاقة مع واشنطن، وفي كيفية إدارة العلاقة مع إيران وحلفائها: هل تُدار بمنطق الضربات المتقطعة وردود الفعل، أم عبر استراتيجية طويلة النفس تعترف بتغيّر موازين القوى وتبحث عن ترتيبات جديدة للأمن الإقليمي؟

‏من هنا فإننا ندعو المفاوض اللبناني الى  أن يتعامل مع الإعلام الإسرائيلي بوصفه مرآة متكسّرة تعكس، على تبايناتها، بنية الأزمة الداخلية في تل أبيب، أكثر مما تعكس صورة نقية للواقع الميداني. فالتغطيات المتشددة في صحف اليمين، مقابل النبرة النقدية في صحف كـ«معاريف» و«هآرتس»، تكشف حجم التباين داخل النخبة الحاكمة، وتسمح برصد لحظات الذروة في الضغط الاجتماعي والسياسي الناتج عن طول الحرب وكلفتها البشرية والمادية. هنا تصبح الأخبار عن الشلل في الشمال، الخسائر الاقتصادية، التوتر بين القيادة السياسية والعسكرية، والجدل حول جدوى توسيع المواجهة مع إيران أو لبنان، مادةً تفاوضية تتيح للطرف اللبناني فهم حدود القدرة الإسرائيلية الفعلية على التصعيد، وحدود استعدادها لتحمل حرب طويلة أو فتح جبهة جديدة.

‏في المقابل، ينبغي أن يقرأ المفاوض اللبناني التحليلات العسكرية الإسرائيلية، لا من زاوية «تصديق أرقامها» بل من زاوية استنباط أولويات العدو وخطوطه الحمراء. فالحديث المتكرر عن «خطر الصواريخ الدقيقة»، و«عمق الجبهة الداخلية»، و«التهديد الوجودي» مقابل «التهديد التكتيكي»، يوضح ما يمكن أن تقبل به إسرائيل كأمر واقع، وما تعتبره سببًا كافيًا للمغامرة بتصعيد واسع.

حين يربط المفاوض بين هذه اللغة الإعلامية وبين سلوك الجيش على الأرض، يستطيع أن يقدّر متى يكون التشدد الإسرائيلي على طاولة المفاوضات انعكاسًا لقوة حقيقية، ومتى يكون مجرد غطاء دعائي لقيادة مأزومة تبحث عن مخرج مشرّف. بهذا المعنى، لا يُستخدم الإعلام الإسرائيلي كمصدر معلومات «محايد»، بل كأداة لقراءة ميزان القوى النفسي والسياسي داخل إسرائيل، واستثمار تناقضات خطابها الداخلي في خدمة المصلحة الوطنية اللبنانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى