‏في معنى الدولة حين يُستباح جيشها

‏ب✍️ محمد الجوهري.

‏«حين تُستهدف آلية للجيش اللبناني على طريق الخردلي، ويسقط ضباط وعسكريون فوق ترابهم شهداء، لا تعود اللغة قادرة على الإحتماء بمفرداتٍ من قبيل “خرق” أو “حادث”. نحن أمام حقيقة عارية: سيادةٌ تُنتهك، ودمٌ يُستباح، وعدوٌّ يكتب قواعد الإشتباك بالنار لا بالحبر».

‏ما جرى في الخردلي ليس واقعةً عابرة في سجل الجنوب، بل لحظة انكشافٍ كامل. إنكشافٌ لوهمٍ طال تداوله، مفاده أن وقف إطلاق النار يمكن أن يتحول إلى مظلة حماية، وأن الدبلوماسية قادرة، بذاتها، على كبح إرادة القوة. لكن إسرائيل، في فعلها المباشر، أعادت الأمور إلى أصلها الأول: من لا يملك القدرة على الردع، يُدفع إلى موقع المتلقي، مهما حسُنت لغته وارتفعت نبرته.

‏الرهان على اتفاقٍ لا يحمي الجيش نفسه، هو في جوهره رهان على الزمن الضائع. اتفاقٌ يُستهدَف في ظله الجنود، يتحول من إطارٍ لضبط الصراع إلى غطاءٍ لإدارته من طرفٍ واحد. وهنا، لا تبدو المشكلة في خيار التهدئة، بل في تحوّله إلى عقيدةٍ منفصلة عن شروطها، كأن الإستقرار يمكن أن يُستولَد من الفراغ، لا من توازن القوة.

‏في هذا المشهد، يستحضر الفكر السياسي صرامته. توماس هوبز لم يمنح الدولة شرعيتها من خطابها، بل من قدرتها على الحماية. الدولة، في تعريفها الأشد بساطة وقسوة، هي تلك التي تمنع سقوط العنف على أفرادها. فإذا سقط الجنود أنفسهم، بلا ردٍّ يعيد رسم الحدود، فإن العقد يتصدّع، وتتحول السيادة إلى فكرة معلّقة، لا واقعاً قائماً.

‏استهداف الجيش اللبناني ليس خطأً في الحساب، بل دقة في الرسالة. هو قولٌ صريح بأن هذا الكيان، بجيشه ومؤسساته، يمكن إدخاله في معادلة “الضبط عن بُعد”: يتحرك، ولكن ضمن خطوط لا يرسمها هو. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لا في الضربة ذاتها، بل في ما تحمله من محاولةٍ لإعادة تعريف وظيفة الجيش، من قوة سيادية إلى جهازٍ يراعي “حساسية” العدو.

‏أما الحديث عن “حماية الجيش عبر تجنب الإحتكاك”، فليس سوى بلاغةٍ مقلوبة: يُطلب من القوة أن تنكمش كي لا تُستهدف، ومن السيادة أن تتراجع كي لا تُستفز. لكن التجربة، في لبنان كما في غيره، تقول العكس تماماً: العدو لا يضبط سلوكه إلا حين تُفرض عليه كلفة.

‏وهنا تحديداً، تتقدم المقاومة لا كخيارٍ خطابي، بل كحقيقةٍ ميدانية أثبتت أن الردع ليس ترفاً، بل شرط البقاء.

‏المفارقة القاسية أن خطاب التهدئة، حين يُفصل عن القوة، يتحول إلى لغةٍ بلا سند. استقرارٌ يُبنى على قابلية الإستهداف، ليس استقراراً، بل هدنة مؤقتة تُدار وفق ميزانٍ مختل. وكل دمٍ يُسفك في هذا السياق، يُعاد تأطيره كـ“ثمنٍ محتمل”، لا كحدٍّ فاصل يجب أن يعيد صياغة كل المعادلات.

‏الصراحة هنا ليست خياراً بل ضرورة: لا حماية للجيش خارج معادلة ردع، ولا سيادة تُصان عبر اتفاقات لا يلتزم بها إلا طرفٌ واحد. كل ما عدا ذلك، هو إدارةٌ للخسارة بلغةٍ مهذبة.

‏الخردلي ليست مجرد جغرافيا، بل اختبار.

‏إختبارٌ سقطت فيه أوهامٌ كثيرة، وبقي سؤالٌ واحد، عارياً ومباشراً: في مواجهة عدو لا يفهم إلا لغة القوة، من يملك القدرة على أن يقول له “هنا الحدّ”؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى