
بقلم: د. حسين رعد.
بعد هذا المسار الممتد من الرغبة اللامتناهية إلى الحاجة إلى المطلق، ومن العبادة إلى الحرية، ومن الولاية إلى الشهادة، نصل إلى سؤال الخاتمة: أي إنسان يمكن أن ينقذ الحضارة من ضياعها؟ فالأزمة المعاصرة ليست في نقص الوسائل، بل في اضطراب الغاية. لم تعرف البشرية زمناً امتلكت فيه من القدرة والمعرفة والتقنية كما تمتلك اليوم، لكنها لم تعرف في الوقت نفسه هذا القدر من القلق والاغتراب والوحشة والحروب والعبث.
لقد تقدم الإنسان في السيطرة على العالم، لكنه تراجع في السيطرة على نفسه. اقترب من أسرار المادة، وابتعد عن أسرار روحه. وسّع عمر الأشياء، لكنه لم يجب عن سؤال المعنى. راكم أدوات الراحة، لكنه لم يبلغ الطمأنينة. هذه المفارقة تكشف أن الحضارة لا تنهض بالأدوات وحدها، بل بالإنسان الذي يستخدمها. فإذا كان الإنسان مضطرب الوجهة، تحولت قوته إلى خطر، وصار علمه بلا حكمة، وتقدمه بلا رحمة.
من هذا الباب يصبح الحديث عن الإنسان الكامل ضرورة حضارية، لا ترفاً روحياً. والإنسان الكامل ليس كائناً أسطورياً خارج الواقع، بل هو النموذج الذي بلغ الانسجام بين داخله وخارجه، بين رغبته وغايته، بين حريته وعبوديته لله. إنه الإنسان الذي لم يعد ممزقاً بين أصنام كثيرة، لأنه عرف أن الله هو منتهاه. وبقدر ما يتوجه إلى المطلق، يتحرر من عبادة المحدود، فيضع المال في موضعه، والسلطة في موضعها، والعلم في موضعه، والحياة نفسها في موضعها.
الحضارة المادية حين تفقد هذا النموذج تنتج إنساناً قوياً لكنه قلق، عالماً لكنه تائه، حراً في الظاهر لكنه عبد لرغبات لا تنتهي. ولأن النفس الإنسانية لا تكف عن طلب المطلق، فإنها إن لم تجده في الله صنعته من أشياء العالم. حينئذ تتحول الدولة إلى مطلق، والسوق إلى مطلق، واللذة إلى مطلق، والتقنية إلى مطلق، والهوية الجماعية إلى مطلق. وكل مطلق زائف يحمل في داخله بذرة ظلم، لأنه يطلب من الإنسان ما لا يحق إلا لله.
لذلك لا تبدأ النجاة الحضارية من إصلاح الأنظمة وحدها، مع أهمية ذلك، بل من إعادة بناء الإنسان. فالإنسان الذي لا يعرف نفسه لا يحسن استعمال العالم. وإذا انفصل عن الله انفصل عن حقيقته، وإذا انفصل عن حقيقته ظلم نفسه وغيره. وهذه هي الدائرة التي حاولت الحلقات السابقة كشفها: الرغبة اللامتناهية لا تهدأ بالمحدود، والبعد عن المطلق يولد الاغتراب، والاغتراب يولد الظلم، والظلم يحتاج إلى حرية داخلية تكسره، وهذه الحرية تحتاج إلى ولاية تحفظ اتجاهها، وإلى شهادة تكشف صدقها.
في هذا السياق يظهر الإمام الحسين عليه السلام بوصفه نموذج الإنسان الكامل في لحظة الصراع. لم يكن كماله انعزالاً صوفياً عن التاريخ، بل حضوراً في قلب التاريخ. لم يكن هروباً من السياسة، بل إعادة للسياسة إلى ميزان الأخلاق. لم يكن رفضاً للحياة، بل دفاعاً عن معناها. لقد أظهر أن الإنسان الكامل ليس من ينجو بنفسه حين يفسد العالم، بل من يوقظ العالم ولو دفع حياته ثمناً لذلك.
كربلاء تقدم أفقاً للنجاة الحضارية لأنها تعيد ترتيب القيم. تقول للبشرية إن القوة لا تكفي، وإن البقاء لا يكفي، وإن الرفاه لا يكفي، وإن العلم لا يكفي، إذا لم يكن الحق في المركز. فالحضارة التي تجعل القوة معياراً تنتهي إلى الاستبداد، والتي تجعل اللذة معياراً تنتهي إلى الفراغ، والتي تجعل المصلحة معياراً تنتهي إلى الظلم، والتي تجعل الإنسان إلهاً لنفسه تنتهي إلى تمزيقه من الداخل.
الإنسان الكامل هو الذي يعيد كل شيء إلى موضعه الصحيح. لا يحتقر الدنيا، لكنه لا يعبدها. لا يرفض العقل، لكنه لا يفصله عن النور. لا يهرب من المجتمع، لكنه لا يذوب في ضلاله. لا يطلب الموت، لكنه لا يجعل الخوف منه سيداً على قراره. يعيش في المحدود، لكن قلبه متوجه إلى المطلق. وبذلك يصبح قادراً على أن يصنع حضارة مختلفة: حضارة يكون فيها العلم خادماً للحكمة، والقوة خادمة للعدل، والحرية خادمة للكرامة، والسياسة خادمة للإنسان، والإنسان عبداً لله لا عبداً لما صنعته يداه.
ليست النجاة الحضارية وعداً سهلاً، ولا تتحقق بمجرد رفع الشعارات الدينية. فقد تحمل الأمة اسم الدين وتفقد روحه، وقد تمارس العبادة وتنسى غايتها، وقد تحيي ذكرى كربلاء وتبتعد عن معيارها. النجاة تبدأ حين تتحول هذه المعاني إلى وعي وسلوك وموقف: أن نعيد الله إلى مركز الحياة، لا كشعار، بل كغاية تقيس كل شيء؛ وأن نعيد الإنسان إلى صورته الحقيقية، لا مستهلكاً ولا رقماً ولا تابعاً، بل كائناً مكرماً يحمل في داخله توقاً إلى المطلق.
بهذا المعنى يكون مشروع بناء الإنسان هو أصل كل إصلاح. فمن عرف نفسه عرف ربه، ومن عرف ربه عرف موضعه في العالم، ومن عرف موضعه لم يظلم نفسه ولم يجعل من قوته إلهاً على الآخرين. وعندما يتشكل هذا الإنسان، تبدأ الحضارة بالخروج من عتمتها؛ لا لأنها امتلكت أدوات أكثر، بل لأنها امتلكت قلباً أصفى ووجهة أصدق.
إن الخاتمة التي تقودنا إليها كربلاء ليست أن نتذكر مأساة عظيمة فقط، بل أن نفهم أن التاريخ لا ينجو إلا بالإنسان الذي يجعل الحق أغلى من المنفعة، والكرامة أغلى من السلامة، والله أعلى من كل محدود. ذلك هو الإنسان الكامل في أفقه الحسيني: إنسان يعيش في الأرض بعين على السماء، ويحمل العالم في يده دون أن يسمح له أن يسكن قلبه، ويعرف أن النجاة الكبرى تبدأ حين يعود كل شيء إلى الله.



