
ب✍️ محمد الجوهري.
في الثالث عشر من تموز 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستصبح "حارس مضيق هرمز"، وأنها ستفرض رسمًا بنسبة 20% على كل بضاعة تعبر هذا الممر، بذريعة تحمّلها كلفة "الحماية والأمن"بحسب قناة الجزيرة.
لم تمرّ أربع وعشرون ساعة إلا وتراجع عن القرار، لا لأن القانون الدولي أقنعه، بل لأن ملوكًا وأمراء الخليج هاتفوه عارضين عليه "إستثمارات ضخمة" بدل الرسوم.
في الأثناء، كانت واشنطن نفسها، على مدى الأشهر السابقة، ترفض بشكل قاطع حق إيران في فرض أي رسوم مشابهة على المضيق، معتبرة الأمر "ابتزازًا" و"سرقة" منظّمة، بل هدّد مسؤولون أمريكيون بفرض عقوبات على كل من يدفع لإيران مقابل العبور.
هذا التناقض، بين الرفض المطلق حين يكون الفاعل إيران، والقبول الفوري حين يكون الفاعل أمريكا، هو المدخل الحقيقي لأي سؤال فلسفي جاد عن شرعية الرسوم على مضيق هرمز.
أولًا: منطق القوة لا يعرف الإستثناء
الواقعية السياسية، من هوبز إلى مورغنثاو، لا تسأل "من يملك الحق النظري؟" بل "من يملك القدرة على الفعل، ومن يتحمل نتائج غيابه؟" في هذا المنطق، السيطرة الفعلية على ممر مائي – عبر الوجود العسكري والجغرافيا والقدرة على الإغلاق أو الفتح – هي ذاتها مصدر الشرعية العملية، لا القانون الدولي المكتوب في نيويورك أو لندن. والمفارقة أن ترامب نفسه صاغ حجته بلغة واقعية صرفة: "نحن نحمي هذا الجزء الثري جدًا من العالم… ونريد أن نُعوَّض عن الحماية".
لكن هذا الإستدلال بالضبط – "من يحمي الممر يستحق مردوده" – ينطبق على إيران بقوة أكبر، لأن جزءًا من مياه المضيق يقع أصلًا داخل مياهها الإقليمية، وهي الطرف الذي عاش تحت القصف والحصار البحري المتبادل طوال أشهر الحرب.
فإذا كانت "الحماية بالقوة" أساسًا كافيًا لفرض الرسم، فلا يمكن نفي هذا الحق عن الطرف الذي يملك السيادة الجغرافية الفعلية على نصف الممر، بينما يُمنح لطرف بعيد لا يشاطئ المضيق أصلًا.
القوة، إذا كانت هي المعيار، لا تُصادَر انتقائيًا؛ وإلا لم تعد قوة بل تحكّمًا يتذرع بالقوة وقتما يشاء وينكرها وقتما يشاء.
ثانيًا: العدالة التبادلية، أو سقوط الحجة بمعيارها
المبدأ الأخلاقي الأبسط في فلسفة العدالة التبادلية – وهو حاضر منذ أرسطو في تعريفه للعدل التصحيحي وحتى في "القاعدة الذهبية" المشتركة بين التقاليد الأخلاقية الكبرى – يقول: ما تطلبه لنفسك، لا يحق لك أن تنكره على غيرك في وضع مماثل. لكن ما جرى هو العكس تمامًا: منظمة الملاحة البحرية الدولية (IMO) أصدرت قرارًا صريحًا يعارض "أي فرض لرسوم على العبور من مضايق الملاحة الدولية"، معتبرة أنه "لا يوجد أساس قانوني لفرض رسوم إلزامية لمجرد العبور من مضيق". هذا القرار لم يُستدعَ إلا حين حاولت إيران فرض رسوم شبيهة عبر "هيئة مضيق الخليج الفارسي" التي أنشأتها لتحصيل ما وصفته بـ"رسوم خدمات" لا "رسوم عبور". ثم، بعد أسابيع قليلة، طبّقت واشنطن نفسها البند الذي حرّمته على غيرها، دون أن يتغير القانون الدولي حرفًا واحدًا.
فالعدالة التبادلية هنا لا تسمح بهذا الإنتقاء: فإما أن يكون فرض الرسوم على العبور محرّمًا على الجميع بلا استثناء – ومن ثم يسقط الإدعاء الأمريكي بذاته – أو أن يكون مشروعًا حين تسنده حماية فعلية وكلفة أمنية حقيقية، وفي هذه الحالة تكون إيران، التي دفعت من دمها ومياهها واقتصادها أثناء الحرب، أولى به من قوة تُسقط قواتها على الخليج من آلاف الكيلومترات ثم تطالب بالخمس.
ثالثًا: السيادة ليست امتيازًا يُستجدى بل حقًا في الموارد
في الفلسفة السياسية الحديثة، من غروتيوس إلى فقهاء القانون الدولي المعاصرين، تُبنى السيادة على ركيزتين: الجغرافيا والفعل المستمر.
الجزء الأكبر من ضفتي مضيق هرمز يقع داخل المياه الإقليمية والمتاخمة لإيران وعُمان، وهذا معطى جغرافي لا اجتهاد سياسي. حين تطالب دولة مشاطئة بحق تنظيم الملاحة عبر مياهها – سواء عبر رسوم خدمة أو ترتيبات أمنية – فهي تمارس امتدادًا طبيعيًا لسيادتها على موارد تقع فعليًا تحت مسؤوليتها، تمامًا كما تفرض أي دولة رسوم مرور، جمارك، أو ضرائب خدمات على من يعبر أراضيها أو موانيها. أما حين تطالب قوة لا تشاطئ الممر بذات الحق، انطلاقًا من تفوقها العسكري البحت، فهي لا تمارس سيادة بل تفرض جزية باسم "الحماية" – وهو بالضبط الوصف الذي استخدمه منتقدو القرار الأمريكي حين وصفوه بأنه "عصابة حماية" لا سياسة دولة.
إن الإعتراف لطهران بحقها التنظيمي في مياهها ليس تفضيلًا سياسيًا، بل استعادة للفرق الفلسفي الجوهري بين السيادة، وهي حق ثابت مصدره الإنتماء الجغرافي والمسؤولية الدائمة، والغلبة العسكرية العابرة، التي لا تُنتج حقًا بل تفرض تسليمًا موقتًا يزول بزوال موازين القوى.
من يملك حق التسعير، لا من يملك حق الصراخ
المفارقة الأعمق في هذه الحادثة أن التراجع الأمريكي عن رسم الـ20% لم يكن اعترافًا بخطأ مبدئي، بل صفقة بديلة أكثر ربحًا – استثمارات خليجية "ضخمة" حلّت محل الرسم المباشر.
هذا يعني أن المبدأ الذي احتُج به لرفض حق إيران – "لا يجوز لأي دولة أن تفرض رسمًا على ممر دولي" – لم يكن مبدأ بقدر ما كان أداة تفاوضية استُخدمت وأُلغيت بحسب الحساب لا بحسب الحق.
وإذا كان القانون يُطبَّق على الخصم ويُعلَّق على الذات، فإنه يكشف عن نفسه كأداة سلطة لا كمعيار عدل.
من هنا، فإن حق إيران في تنظيم العبور من مياهها وفرض رسوم مقابل ذلك ليس تبريرًا لفعل عدواني، بل استعادة لمبدأ فلسفي بسيط: العدالة لا تُقاس بمن يصرخ أعلى، بل بمن يُطبِّق على نفسه القاعدة التي يفرضها على غيره.



