
ب✍️محمد الجوهري.
في خضمّ تصعيد غير مسبوق داخل الشرق الأوسط، يبدو أن قواعد اللعبة قد بدأت تتغير ببطء، لكن بوضوح. ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه «حرب ردع» محدودة، تتحكم فيها حسابات الردع المتبادل، يتحول الآن إلى «حرب استنزاف» تطال البنية الإقتصادية والنفسية للقوى الكبرى، وتحديدًا الولايات المتحدة.
ففي هذا السياق، تتصاعد أصوات تحليلية غربية، كالتي عبّر عنها الإعلامي اليميني تاكر كارلسون، الذي اتهم ترامب بـ«الخيانة العظمى» لصالح «دولة صغيرة» يديرها، على حسابه، بعض النفوذ الإقليمي المتشدد.
هذا التصعيد ليس مجرد لغة إعلامية مثيرة، بل هو مؤشّر على تآكل في الولاء التقليدي لواشنطن داخل نخبها الداخلية، وتصدّع في جدار الثقة بينها وبين حلفائها التقليديين في المنطقة.
وعلى الأرض، بدأت الحرب تأخذ أبعادًا جديدة. فالصواريخ الإيرانية لم تعد تستهدف فقط الرادارات ومنصات الدفاع الجوي، بل بدأت تصيب أهدافًا بشرية، في تحول نوعي من «حرب البنية التحتية» إلى «حرب الإنسان». هذا التحول ليس عابرًا، بل هو جزء من استراتيجية إيرانية مدروسة تقوم على تصعيد الردع إلى مستوى الوجود، لا مجرد القدرة.
ولعلّ تصريح مستشار القائد الإيراني محسن رضائي، الذي هدد باجتياح دول وتغيير خرائط، يجب أن يُقرأ في هذا الإطار: ليس كتصريح عاطفي، بل كإشارة إلى أن إيران لم تعد تقبل بدور اللاعب الثانوي، بل تطمح إلى إعادة تشكيل جغرافية النفوذ الإقليمية.
في المقابل، بدأت نخب عسكرية إسرائيلية تعترف بأن «إسقاط النظام الإيراني» هو مجرد «وهم». هذا الاعتراف، الذي عبّر عنه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، يعكس تحولًا في فهم ميزان القوى. فإسرائيل التي كانت تراهن على قدرة الضربات الجوية والتخريب الداخلي على زعزعة النظام في طهران، أدركت الآن أن هذا النظام ليس هشًا كما كان يُصوَّر، بل هو نظام متجذر في بنية اجتماعية وعسكرية معقدة، قادرة على الصمود، بل وعلى التحول من حالة الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي.
هذا التغيير في المشهد لا يمرّ دون تأثير مباشر على واشنطن. فنتنياهو، الذي كان يُنظر إليه كحليف لا غبار عليه في البيت الأبيض، أصبح اليوم يستجدي موعدًا مع الرئيس ترامب، الذي يظهر عليه غضب واضح، خاصة بعد تصريح نتنياهو باستنكاره لبيع طائرات F-35 لتركيا ووصفه تدخل نتانياهو بالوقح. هذا التوتر ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل هو مؤشر على تآكل في الثقة الإستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، وتحوّل في أولويات السياسة الخارجية الأميركية.
فإدارة ترامب، التي كانت تعد بنهج «أميركا أولًا»، باتت الآن في مواجهة مع حلفاء تقليديين كانوا يُعتبَرون من ثوابت السياسة الخارجية الأميركية.
في هذا السياق، تبرز أسئلة مرعبة: هل نشهد فعليًا تحولات في الحضور الإمبراطوري الأميركي على الساحة العالمية؟ هل تتجه واشنطن إلى إعادة توزيع نفوذها، لا سيما في الشرق الأوسط، لصالح ترتيبات إقليمية جديدة؟ أم أن ما نراه هو مجرد تكيّف مؤقت مع واقع ميداني صعب؟
من منظور «محور المقاومة»، فإن الإجابة واضحة: نعم، نحن نشهد تحولات جوهرية. فالحرب لم تعد حرب ردع، بل تحولت إلى حرب استنزاف ترفع من الكلفة الإقتصادية والسياسية والنفسية على الولايات المتحدة. فكل صاروخ يُطلق، وكل عملية نوعية تُنفَّذ، تُجبر واشنطن على دفع ثمن باهظ، ليس فقط بالدولار، بل أيضًا بالسمعة، وبالقدرة على الحفاظ على تحالفاتها.
وفي هذا السياق، يبدو أن ترامب، قد بدأ يتجه نحو اعتراف صريح، أو ضمني، بمشروعية البرنامج النووي الإيراني. فقراره بالسماح للسعودية بتطوير برنامج نووي، حتى لو تحت غطاء «الطاقة السلمية»، هو اعتراف بأن إيران ليست مجرد «دولة مارقة»، بل هي لاعب مركزي لا يمكن تجاهله، ولا يمكن احتواؤه إلا عبر اعتراف بحقوقه الإستراتيجية.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في السياسات، بل هو تغيير في الرؤية الإستراتيجية. فإيران، من خلال «محورها»، لم تعد تسعى فقط إلى البقاء، بل إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي. وهمها ليس إسقاط إسرائيل، بل جعلها تدفع ثمن كل عدوان، وتحويلها من دولة ردع إلى دولة خاضعة لحسابات الردع اليومي. كما أن همها ليس إسقاط النظام الأميركي، بل جعله يدرك أن بقاءه في المنطقة بات مكلفًا أكثر مما هو مفيد.
في هذا الأفق، لا تبدو إيران كقوة إقليمية فحسب، بل كقوة تسعى إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة. وهي لا تفعل ذلك عبر القوة العسكرية وحدها، بل عبر مزيج من الردع، والدبلوماسية، والحرب النفسية، والنفوذ الثقافي.
وربما كان هذا هو الدرس الأكبر الذي يمكن استخلاصه من المسار الحالي: أن القوة الحقيقية ليست في الصواريخ فقط، بل في القدرة على تغيير المعادلة الاستراتيجية من الداخل، وجعل الخصم يعيد حساباته ليس فقط في الميدان، بل أيضًا في العقل.



