
ب✍️محمد الجوهري.
ليست الحرب في الشرق الأوسط مجرد صراع على الأرض أو الممرات أو النفوذ، بل هي أيضًا صراع على معنى القوة نفسها: هل تُفهم بوصفها قدرةً على الإخضاع، أم بوصفها قدرةً على منع الإخضاع؟ من هذه الزاوية، تبدو الرؤية الإيرانية أقرب إلى فلسفة مقاومة ترى أن الدولة لا تُقاس بقدرتها على الهجوم، بل بقدرتها على الصمود، وتحويل التهديد إلى معادلة تردع المعتدي بدل أن تُذيبها الرغبة في الاستسلام.
في هذا المعنى، لا يكون الردع مجرد تقنية عسكرية، بل موقفًا وجوديًا. فالأمم التي تُحاصر طويلًا تتعلم أن البقاء ليس حالة سلبية، بل فعل إرادة واعية.
وهكذا تصبح السياسة عند إيران أقل شبهًا بإدارة يومية للأزمات، وأكثر قربًا من فنّ تحويل الضغط إلى طاقة تاريخية، والخسارة إلى جزء من معادلة النهوض، والتهديد إلى اختبار لمعنى السيادة.
تقوم الفلسفة الاستراتيجية الإيرانية، كما تعكسها هذه اللحظة، على الصبر لا بوصفه انتظارًا خاملاً، بل بوصفه شكلًا راقيًا من الفعل. فالصبر هنا ليس تراجعًا، بل تنظيم للوقت على نحوٍ يُنهك الخصم ويمنع الحرب من التحول إلى حسم سريع لصالح الأقوى تقنيًا.
إن جوهر هذه الفكرة بسيط وعميق في آن: من لا يستطيع أن يفرض النهاية السريعة، يفرض زمنًا طويلًا لا يملكه خصمه.
وهذا ما يجعل التفاوض، في هذا المنظور، امتدادًا للردع لا نقيضًا له. فالدبلوماسية ليست تنازلًا عن القوة، بل ترجمة عقلانية لها.
وعندما تدخل أطراف كبرى إلى طاولة التفاوض بعد التصعيد، فإنها لا تتفاوض فقط على نصوص، بل على ميزان خوف جديد.
هنا يتجلى المعنى الفلسفي للسياسة: أن الحرب لا تُلغى دائمًا، لكنها تُروَّض حين يكتشف الجميع أن كلفة الإنفجار أكبر من كلفة الإعتراف المتبادل.
ففي الرؤية الإيرانية، الجغرافيا ليست خلفية محايدة للأحداث، بل جزء من بنية القوة ذاتها.
فمضيق هرمز، وسواحل الخليج، والفضاء البحري الممتد إلى اليمن، ليست مجرد مواقع صراع، بل شرايين تربط السياسة بالإقتصاد وبالهيبة. ولذلك فإن أي حديث عن الأمن في المنطقة من دون الإعتراف بدور إيران وحلفائها في تشكيل هذه الجغرافيا الأمنية، يبدو كأنه محاولة لفصل الجسد عن روحه.
وهنا يظهر بعدٌ فلسفي مهم: من يملك القدرة على تعطيل الممرات لا يملك فقط سلاحًا، بل يفرض على العالم أن يعيد التفكير في معنى الإعتماد المتبادل.
فالقوة البحرية، في هذا السياق، لا تُستخدم فقط لإيذاء الخصم، بل لإعلان أن النظام الدولي نفسه هشّ، وأن الإستقرار الذي يتحدث عنه الأقوياء ليس طبيعيًا، بل مشروطًا بتوازن قابل للكسر.
أما الجبهة اليمنية، فهي تذكير قاسٍ بأن الحروب الإقليمية لا تُقرأ بمعايير السلاح وحده.
فالدولة الأقوى تقنيًا قد تملك السماء، لكنها لا تضمن السيطرة على المعنى.
ومن هنا تأتي أهمية الرد اليمني، ليس بوصفه مجرد رد عسكري، بل كترجمة لفكرة أن المظلوم حين يُحاصر طويلًا يخلق أدواته الخاصة للمقاومة، ويجعل من الضعف الظاهر مصدرًا لقوة غير متوقعة.
هذا لا يعني تمجيد الحرب، بل فهمها باعتبارها نتيجة لإختلال العدالة.
والفلسفة هنا لا تسأل فقط: من أطلق الصاروخ؟ بل تسأل: ما النظام الذي جعل الصاروخ يبدو لغةً مفهومة؟ وعندما تصبح القوة وسيلةً لفرض الصمت، تظهر المقاومة كاستعادة للحق في الكلام، ولو بلغة النار.
فالمأزق الحقيقي في المنطقة ليس كثرة السلاح، بل غياب فلسفة عادلة للأمن.
والأمن الذي يُبنى على إخضاع طرف وإذلال آخر لا يبقى أمنًا، بل يتحول إلى هدنة مسلحة. ومن هذه الزاوية، تقدّم الرؤية الإيرانية نفسها باعتبارها مشروعًا لردّ الإعتبار إلى فكرة التوازن: أن لا أحد يملك حق احتكار القرار، وأن الإستقرار لا يولد من الإملاء، بل من الإعتراف المتبادل بحدود القوة.
لذلك، فإن المقالة الفلسفية الأعمق هنا ليست عن حربٍ مقبلة أو هدنةٍ مؤقتة، بل عن سؤال أكبر: هل الشرق الأوسط محكوم بمنطق القوة المطلقة، أم يمكن أن يولد فيه نظام سياسي يعترف بأن الكرامة أيضًا عنصر من عناصر الأمن؟
إن الجواب الذي تقترحه الرؤية الإيرانية واضح: لا سلام بلا ردع، ولا ردع بلا كلفة على المعتدي، ولا كرامة سياسية من دون قدرة على الصمود.



