
ب✍️محمد الجوهري.
في مواجهة لعبة القوة التي يعتقد كثيرون أنها تُحسم بالضربة العسكرية الحاسمة، أظهرت إيران أن الإستراتيجية الحقيقية ليست في السرعة أو الضجيج، بل في الصبر الحسابي والقدرة على تحويل نقاط الضعف الظاهرة إلى أدوات تأثيرٍ طويلة المدى.
ما شهده الصيف الأخير من تصعيد — من إغلاق مضيق هرمز إلى قصف قواعد أمريكية وإلحاق أضرار اقتصادية مباشرة عبر ضرب ناقلتين في البحر الأحمر — لم يكن مجرد رد فعل عاطفي أو تصعيداً عشوائياً، بل جزء من مخطط ممنهج لإعادة تشكيل معادلات القوة وجعل الحسابات الأمريكية مكلفة وخاطئة.
أولاً، لا بد من التمييز بين منطق الحرب التقليدي ومنطق اللعبة الجيوسياسية.
اللاعب التقليدي يبحث عن نصر تكتيكي سريع؛ أما اللاعب الإستراتيجي فينظر عدة حركات إلى الأمام كما يفعل لاعب الشطرنج المحترف.
إيران اختارت التضحية الجزئية — تحمل خسائر مادية وبشرية — مقابل مكاسب رمزية وواقعية مضاعفة: جعل مضيق هرمز نقطة اختناق لا يمكن تجاهلها، وفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، وضرب خطوط الإمداد البحرية التي تعتبر شريان الإقتصاد العالمي.
هذه الحركات جعلت تكلفة استمرار التصعيد الأمريكي تتصاعد يومياً: ارتفاع أسعار النفط، تقلب الأسواق، وزيادة مخاطر الإمداد لدول الخليج وأوروبا على حد سواء.
ثانياً، التأثير النفسي والسياسي كان جزءاً أساسياً من الحسبة الإيرانية. ضربة تلحق خسائر اقتصادية ملموسة وتزرع الخوف في أسواق الطاقة لا تؤثر فقط على دول الخليج، بل تضغط على صنّاع القرار في واشنطن الذين لا يمكنهم تجاهل انعكاساتها على الإقتصاد الأمريكي وحالة الناخبين.
عندما يترافق الضغط الميداني مع ضغط سياسي داخلي — كما ظهر من مناقشات الكونغرس وإجراءات لتقييد الصلاحيات الرئاسية — يتحول الموقف الأمريكي من مبادرة هجومية إلى موقف دفاعي أو على الأقل معتدل في اتخاذ خطوات لاحقة.
هذا التحول، حتى لو كان رمزياً أو مؤقتاً، يدل على أن إستراتيجية إيران نجحت في إعادة فرض قواعد اللعبة.
ثالثاً، هناك بعد أخلاقي-فلسفي في طبيعة الصراع: منطق من يدافع عن أرضه أو مصالحه الأساسية غالباً ما يكون أطول نفساً وأكثر قدرة على التحمّل من منطق من يختار الحرب كأداة لضمان مصالح خارجية أو داخلية ضيقة. من منظور إيراني، المواجهة مع الولايات المتحدة ليست مجرد مناوشة سوقية أو مناورة دبلوماسية، بل صراع وجودي وسياق تاريخي طويل من التدخلات والعقوبات التي فرضت تكلفة كبيرة على الشعب الإيراني.
لذلك تبدو الصرامة الإيرانية في الرد وفقا لمنطق «الردع المؤلم» الأكثر استدامة مقارنة بمنطق المقامر الذي يراهن على أن الخسائر مؤقتة ويمكن تعويضها برهان أكبر.
رابعاً، قراءة قرار إيران تحويل المواجهة إلى ساحات بحرية بعيدة عن العاصمة أو المراكز التقليدية للقوة تحمل حكمة تكتيكية: ضرب طرق الإمداد والإقتصاد يعاقب الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة ويزيد من عزلة واشنطن في إدارة تحالفاتها.
كما أن جعل الصراع غير متماثل — عبر أذرع إقليمية وأدوات غير تقليدية — يزيد من صعوبة استثمار القوة التقليدية بطريقة تؤدي إلى نتائج سريعة ومعلنة. هذا ما دفع جزءاً من القيادة الأمريكية إلى التمهل، وإلى إظهار رغبة في تبريد الأجواء عبر وساطات ودعوات لتجميد الضربات.
خامساً، لا يمكن إغفال عامل الزمن: الصبر الإستراتيجي يصنع أمراً واقعاً، فكلما طال الصراع على هذا النحو، ازدادت تكلفة التدخل العسكري للولايات المتحدة، وتراجعت قدرة إدارة رئاسية على الحفاظ على دعم داخلي موحد، وبدأت التحالفات تتصدع أمام الضغوط الإقتصادية والسياسية.
هكذا تتحول مبادرة ظاهرة لكونها هجومية إلى عبء استراتيجي على صاحبها، بينما تتحول ردود الفعل الدقيقة والمدروسة إلى نقاط قوة تكتيكية على المدى المتوسط والبعيد.
مع ذلك، يجب أن نكون واقعيين: النجاح الإستراتيجي لإيران لا يعني غياب المخاطر أو المشكلات الأخلاقية المترتبة على إلحاق أذى بالمدنيين أو تعطيل خطوط الإمداد العالمية. لكن قراءة المشهد بعينٍ أجدر بالتحليل تبيّن أن الخيار الإيراني هو مراهنة على واقع القوة النسبية والإقتصادية — مراهنة يبدو أنها أجبرت الطرف الأمريكي على التراجع أو على الأقل إعادة احتساب المخاطر، بما دفع واشنطن إلى قبول قنوات وساطة مؤقتة وإظهار رغبة في تجميد الضربات.
تحذير للولايات المتحدة: الإعتماد على منطق المقامرة السياسية والعسكرية في مواجهة لاعبٍ يتحلى بالصبر والقدرة على تغيير قواعد اللعبة من خلال ضرب المداخل الإقتصادية والإستراتيجية ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل تهديد طويل الأمد للإستقرار الإقليمي والعالمي. إذا استمرّت واشنطن في إدارة الصراع كأنها في كازينو حيث تُعوَّض الخسائر برهانات أكبر، فستجد أن التكلفة النهائية ليست خسارة جولة واحدة بل تآكل حلفاءها ونفوذها وشرعية سياساتها.
الحذر هنا ليس مجرد نصيحة سياسية: إنه مطلب عملي للحفاظ على النظام الدولي، على اقتصادات الدول، وعلى حياة الملايين التي تعتمد على خطوط الملاحة المستقرة.



