
في السياسة، لا تكشف الكلمات التي نقولها فقط عمّا نريد أن نقوله، بل تكشف أحيانًا من نحن، وكيف نفكر، وكيف ننظر إلى الآخر.
ولذلك، فإن تراجع مستوى الخطاب السياسي ليس مسألة تتعلق بجمال اللغة أو قسوة العبارات فحسب؛ إنه مؤشر على شيء أعمق يمسّ طبيعة الحياة العامة، وعلى الطريقة التي أصبحت بها المجتمعات تدير اختلافاتها وصراعاتها.
في لبنان، حيث اعتدنا أن نعيش وسط التعدد والاختلاف، وحيث تشكلت الحياة السياسية تاريخيًا من تداخل الطوائف والأحزاب والتيارات والمصالح والرؤى، كان يفترض أن تكون القدرة على الحوار جزءًا من مهارة البقاء نفسها. فلبنان، أكثر من غيره، لا يستطيع أن يعيش بمنطق أن طرفًا واحدًا يمتلك الحقيقة، وأن الآخرين مجرد أخطاء ينبغي إقصاؤها.
لكن المشهد الذي ظهر في جلسات مجلس النواب خلال اليومين الماضيين يطرح سؤالًا يتجاوز تفاصيل ما قيل ومن قاله:
ماذا يحدث للغة السياسة عندما يصبح الصراخ أقوى من الحجة، والاتهام أسرع من البرهان، والانتصار على الخصم أهم من الانتصار للفكرة؟
ليست المشكلة أن يختلف النواب.
فالاختلاف هو جوهر الديمقراطية، وربما يكون غياب الاختلاف هو العلامة الأخطر على موتها.
المشكلة تبدأ عندما يفقد الاختلاف حدوده الإنسانية، وعندما تتحول قاعة يفترض أن تكون مساحة لمناقشة قضايا الناس والدولة إلى مساحة تتقدم فيها الانفعالات على الأفكار، والشخصنة على الموضوع، والتخوين على النقاش.
وهنا لا يعود السؤال: من كان على حق في السجال؟
بل يصبح السؤال الأكثر أهمية:
ماذا تخسر السياسة اللبنانية عندما تخسر لغة الحوار؟
إنها لا تخسر فقط شيئًا من هيبة البرلمان، بل تخسر شيئًا من ثقة المواطن بالدولة، وبالمؤسسات، وبإمكان أن يكون الاختلاف وسيلة للوصول إلى حل، لا سببًا جديدًا للانقسام.
فالناس في لبنان لا ينقصهم الصراخ.
لقد سمعوا ما يكفي منه.
ولا ينقصهم تبادل الاتهامات.
لقد عاشوا سنوات طويلة تحت ثقل الانقسامات والتخوين والاستقطاب.
ما ينقصهم هو شيء أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه:
أن يسمعوا سياسة تشبه حياتهم، وأن يجدوا في كلام ممثليهم شيئًا من القلق الذي يعيشونه، والأمل الذي يبحثون عنه، والعقلانية التي يحتاج إليها بلد أنهكته الأزمات.
من هنا، فإن النقاش حول مستوى الخطاب السياسي ليس نقاشًا في الأخلاق الشخصية للسياسيين فقط، ولا محاولة لتجميل صورة الحياة البرلمانية.
إنه نقاش حول الثقافة السياسية التي نريد أن نتركها للأجيال المقبلة.
هل نريد لأبنائنا أن يتعلموا أن الاختلاف يعني الخصومة؟
أن المعارضة تعني العداء؟
أن قوة الموقف تقاس بحدة العبارة؟
أم نريد أن نعلّمهم أن الإنسان يستطيع أن يختلف بشدة، وأن يتمسك بموقفه، وأن يدافع عن قضيته بكل قوة، وفي الوقت نفسه يحافظ على كرامة من يختلف معه؟
هنا تبدأ المسألة الحقيقية.
وهنا أيضًا تبدأ مسؤولية السياسة.
الدكتور محمد كامل الرفاعي



