‏المقدّس السيادي وحق الندية: لماذا تمثل معادلة “الحصار بالحصار” لحظة تحرر فلسفي لا مجرد تكتيك عسكري؟

‏ب✍️محمد الجوهري

‏ناشط وكاتب سياسي.

‏حين تُختزل كبرياء الشعوب وأقدارها إلى مجرد "حادثة أمنية" عابرة، أو "تهديد طارئ" يُراد احتواؤه وضبطه تحت وصاية القوة، فإن السلاح ليس أول ما يُصادَر في أرض المعركة؛ بل إن الجناية الكبرى تبدأ بمصادرة حق هذا الشعب في تفكيك واقعه، وتفسير مظلوميته، وصياغة سرديته بلسانه لا بلسان جلّاده.

‏من هنا نقرأ ملامح المعركة الرمزية والفلسفية الكبرى التي يخوضها الخطاب اليمني اليوم؛ معركةٌ تأبى الإنكسار أمام قوالب الإتهام الجاهزة، وترفض بحسم وبلاغة القول الفصل تلك الفرية السياسية المتمثلة في اتهام حركة "أنصار الله" باستهداف مكة المكرمة.

‏إنها معركة لا تقف عند حدود "الدفاع ونفي التهمة" تذللاً، بل تتجاوزها كبرياءً وفرضاً لمعادلات الندية والسيادة المطلقة.

‏أولاً: كسر الهيمنة وتفكيك السلاح الإعلامي:

‏ففي غمار هذه المواجهة، يستحضر الفكر النقدي مفهوم "الهيمنة الثقافية" لأنطونيو غرامشي، ليفكك الشفرات التي تعيد بها الأنظمة إنتاج شرعيتها، جاعلةً من مصالحها الذاتية حقائق بديهية ومقدسات لا تقبل النقاش.

‏وحين يُستدعى "المقدس المشترك" – كالكعبة المشرفة ومكة المكرمة – بزخم مفاجئ وموقوت في سياق تبرير آلة الحرب، فإن التساؤل الفلسفي يصبح فرض عين: هل يُستحضر هذا الرمز لذاته إجلالاً، أم يوظف كأداة توقيت سياسي لشيطنة الخصم؟

‏إن التمييز الحاسم بين "المقدس كقيمة روحية عليا" يلتزم بها الموقف اليمني عقيدةً وسلوكاً، وبين "المقدس كسلاح إعلامي مؤقت" يشهره الخصوم عند الحاجة، ليس تجديفاً، بل هو عين اليقظة النقدية والوعي المعرفي الأصيل الذي يحمي الطهر الديني من دنس التوظيف السياسي.

‏ثانياً: معركة الأصالة والشرعية الرمزية

‏يحق لنا أن نسأل من يملك حق الحديث باسم "الأصالة"؟

‏هنا تبرز المفارقة الجوهرية: كيف لطرف يرتمي في أحضان تحالفات هجينة وتحولات اجتماعية متسارعة، أن ينصِّب نفسه حارساً حصرياً لهوية دينية جامعة؟إن "يمن الإيمان والحكمة" ليس مجرد شعار تعبوي تُذروه الرياح، بل هو حقيقة ضاربة في عمق التاريخ الروحي، تذكر الجميع بأن الشرعية الرمزية لا تشتريها خزائن الأموال ولا ترسانات السلاح، بل يملكها من يحافظ على جوهر القيمة وتماسك المبدأ.

‏والمعركة هنا لم تعد محسومة مسبقاً لصالح القوة الغاشمة، بل هي معركة قيمية مفتوحة تجلى فيها الحق اليمني ناصعاً نقيّاً.

‏ثالثاً: فلسفة الردع..

‏ إن الحصار المضاد كفعل أخلاقي حين يستحيل قيداً طويلاً يلتف حول عنق الحياة ذاتها، فإن الإكتفاء بالإدانة اللفظية ليس إلا استسلاماً لصورة الضحية الأبدية التي تموت صمتأ بلا كلفة على الجلاد.

‏من هذا المنطلق، يرتفع خيار "الحصار بالحصار" من رتبة التصعيد العسكري إلى مقام "الفعل الأخلاقي" المستند إلى إرث فلسفي عميق؛ من حق المقاومة عند جون لوك إلى توازنات نظرية الحرب العادلة.

‏إنها فلسفة "استعادة توازن الكلفة"؛ فإذا كان الحصار وسيلة ضغط مشروعة في عرف الأقوياء، فلا مسوغ فلسفي أو أخلاقي لتجريمه حين يمارسه المستضعفون دفاعاً عن حقهم في الوجود.

‏وإلا، أصبحت "الشرعية" دمية في يد القوة لا خادمة للمبدأ.

‏وتأتي التجربة الفيتنامية هنا كشاهد تاريخي وفلسفي حكيم، يبرهن على أن التفوق التقني للخصم ليس قدراً محتوماً، وأن الإرادة الجماعية قادرة على صياغة "حقائق جديدة على الأرض" تكسر بها طغيان الموازين التقليدية.

‏"وفي هذا السياق المعرفي، يظل العقل الفلسفي حذراً من مغالق التجريد النظرية؛ فادّعاء الحراسة الحصرية للهوية الإيمانية ظل تاريخياً مساحة تدافع ونزاع بين أطراف شتى.

‏ كما أن أدوات التفكيك المعرفي (كالهيمنة وتوظيف المقدس) يجب أن تظل يقظة لئلا تقع في حبائل التبرير الدائري.

‏وفوق هذا وذاك، يظل البعد الإنساني وآلام المدنيين في هذا النزاع الأوسع أمانة أخلاقية تمنع الفلسفة من تحويل المأساة البشرية النبيلة إلى ترف نظري، وتدعو دائماً إلى قراءة مشهد التحرر والسيادة بأعلى درجات الحذر المنهجي والإنصاف الإنساني."

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى