
بقلم الدكتور محمد كامل الرفاعي
منذ القرن التاسع عشر، أدركت الدول الأوروبية أن التعليم العام ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل ركيزة لبناء الدولة الحديثة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومنح أبناء الفئات الأقل حظًا فرصة لتجاوز ظروف ولادتهم. ومن هنا، تحوّلت المدرسة تدريجيًا من امتياز اجتماعي إلى حق عام، وأصبحت مسؤولية الدولة في توفير تعليم جيد جزءًا من مسؤوليتها تجاه مستقبل المجتمع.
لكن الأحداث التي تشهدها أوروبا اليوم تكشف أن ترسيخ هذا الحق تاريخيًا لا يضمن استمراره تلقائيًا. ففي فرنسا، خرج طلاب للاحتجاج على نقص المعلمين، واكتظاظ الصفوف، وتراجع ظروف التعلّم، فيما امتدت التحركات الشبابية إلى ايطاليا ودول أوروبية أخرى، وسط مخاوف تتصل بتكاليف المعيشة والفرص المستقبلية. ولا تعني هذه الاحتجاجات انهيار التعليم الأوروبي، لكنها تكشف اتساع القلق لدى جيل يخشى أن تتراجع قدرته على الحصول على تعليم جيد ومستقبل أكثر استقرارًا.
ومن هنا، تبرز المقارنة مع لبنان، حيث تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا. فبينما تتمحور مطالب الطلاب في فرنسا حول تحسين ظروف التعليم وضمان جودته، يواجه التعليم اللبناني تحديات تمسّ استمرارية العملية التعليمية نفسها، بفعل الانهيار الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية للمعلمين والأسر، واضطراب الدراسة، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بالمؤسسات التعليمية جراء الحرب.
ولا تقف خطورة هذا الواقع عند تعطل الدراسة أو تراجع التحصيل العلمي، بل تمتد إلى تكافؤ الفرص. فالأسرة القادرة ماديًا تستطيع البحث عن بدائل، فيما تجد الأسرة محدودة الدخل نفسها أمام خيارات أضيق. وهكذا، يصبح مستقبل الطالب مرتبطًا بقدرة أسرته على الإنفاق، بدلًا من أن تحدّ المدرسة من أثر الفوارق الاجتماعية وتمنحه فرصة عادلة للتقدم.
وتتجاوز الخسارة حدود الفرد والأسرة؛ فحين يضعف التعليم العام، تتراجع قدرة المجتمع على إعداد كفاءاته، ويتقلّص الحراك الاجتماعي، ويصبح الفقر أكثر قابلية للانتقال من جيل إلى آخر. وإذا كان طلاب أوروبا يحتجون خوفًا على جودة تعليمهم ومستقبلهم، فإن التحدي في لبنان يتمثل في حماية الحق في التعليم أولًا، ثم ضمان جودته وتطويره، حتى لا تتحول الأزمات الراهنة إلى حرمان طويل الأمد لجيل كامل.
ولا يمكن مواجهة هذا التحدي بالاكتفاء بترميم المدارس وتأمين انتظام الدراسة. فالمطلوب أيضًا تحديث المناهج بما يواكب التحولات المتسارعة، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي. وينبغي إدماج مهارات استخدامه والتحقق من مخرجاته والتعامل النقدي معها في التعليم الرسمي، بما يتيح لجميع الطلاب الاستفادة من هذه الأدوات، بدلًا من أن تبقى حكرًا على من يستطيع تحمّل كلفتها، مع الحفاظ على دور المعلم في التوجيه وبناء التفكير المستقل.
أما الحلول، فلا تتطلب انتظار إصلاح شامل قبل البدء، بل خطة عملية متدرجة: تمويل مستدام وشفاف للمدارس الرسمية، وتأمين دخل مستقر وعادل للمعلمين، وإعادة تأهيل المدارس المتضررة، وتوفير برامج تعويض عن الفاقد التعليمي، وتدريب المعلمين على المناهج والأدوات الرقمية، مع تخصيص دعم إضافي للطلاب الأكثر هشاشة. كما ينبغي وضع مؤشرات واضحة لقياس الحضور والتحصيل والتسرّب، ونشر نتائجها دوريًا لمتابعة التقدم ومساءلة الجهات المعنية.
إنّ المقارنة بين فرنسا ولبنان لا تعني تماثل الأزمات، بل تذكّرنا بأن التعليم حق يحتاج إلى حماية مستمرة، وأن كلفة إهماله لا تظهر في الصفوف وحدها، بل في مستقبل المجتمع بأسره. وإذا كانت فرنسا تواجه تحدّي تطوير نظامها والحفاظ على عدالته، فإن لبنان يواجه، إلى جانب ذلك، ضرورة حماية ما تبقّى من قدرة مدرسته الرسمية على أداء رسالتها واستعادة دورها، وضمان أن تكون فرص الأبناء امتدادًا لقدراتهم واجتهادهم، لا انعكاسًا لإمكانات أسرهم.
فحين تتراجع المدرسة، لا يخسر الطالب درسًا فحسب، بل قد يخسر فرصة تغيير مسار حياته؛ وحين يفقد التعليم قدرته على تحقيق تكافؤ الفرص، يخسر المجتمع أحد أهم شروط تقدّمه.



